إلى أين... لا أدري. لا أدري إلى أين ستقودني هذه الصدفة العجيبه أو الفخ الذي وقعت فيه صبيحة أحد الأيام، ذاك الصباح الأبيض الذي أضحى في طيي الذكرى بالنسبة لي علامة سوداء كعلامة النازية التي تشير إلى عصرها الدموي أو علامة الصهيونية التي تلوِّح رايتها على أرض، دلالة على وجود دولة أُحتلت وأرض اغتصبت في غفلة من المجتمع الدولي أو بمباركته لهذا المشروع الاستعماري في لحظة سهو لأصحاب هذا البلد. ذاك الصباح البعيد الذي أستطاعت إمرأة فيه أن تنصب شباكها حولي وتوقعني في شركها بمهارة. أو قل وقعت أنا في حبائلها منزلقا في مستنقعها بسهولة. فإلى من يوجّه أصبع الاتهام إذن، أإلى الصدفة التي قد تلعب بمصائرنا، أم إلى القدر، الذي يقضي بكل شيء قبل أن يقدِّر وقوعه... أم إلى فاعل ذا كيان موضوعيّ، متهم بالضعف والتهاون والذي هو أنا ، أم إلى هذه السيدة أو تلك التي استخدمت جسمها كأداة وإمتهنته فأصبح وسيلة كسبها اليومي، الذي يجرّمه المجتمع ويلاحقه الجميع دون أن يسألوا عما أو عمن أسقط هذه السيدة في هذا المستنقع من أصله. أم يجب أن يوحه أصبع الإتهام إلى المجتمع بأسره الذي لم يستطع أن يحمي ضعفائه، هذا المجتمع الذي يحني رأسه أمام القادر ويدوس بقدميه المثقلتين بهموم الفقر والجهل هامات ضعفائه. ويفرض قوانين يفصلها الأقوياء والأغنياء لتطبق على الفقراء والضعفاء. أنني،
أحلم (بمجلسشعب) يمثل بالفعل الشعبوأضع هاتين الكلمتين بين كل أقواس الدنيا وأسوارها العازلة، فمجلسنا هذا لا يمثل أبداشعبنا. فغالبية شعبنا مسحوق كادح معدم وقدضاعت فوارق طبقتيه "الفقيرة" و"المتوسطة" واللتان كونتا معاً طبقة جديدةهي الطبقة "المُعدمة" وأصبحت المسافة بينها وبين الطبقة الغنية المتحكمة مسافة لا نهائية. فهل من حقنا أن نحلمأن يصل إلى مجلس شعبنا: فقيراً يمثل غالبية شعبنا،حتى لو تم ذلك عن طريق تعيينه، لأنه لا أمللدخول أحد هؤلاء الغلابةلمجلسنا بالإنتخاب الذي أصبحالآن "معركة"، معركة انتخابية. وبالطبع لا أقصد هنا بوصولأحد هؤلاء الغلابة للمجلسليجلس على بابه متسولاً.
لا أدري لماذا أفكر في كل هذا وأنا أجلس واضعا الأسم الجديد الذي حصلت عليه مؤخرا أمامي، بالطبع لم يكن الاسم الذي يشير إليه رقم التليفون (لفوزيه) أو (لزيزي) وذلك كما توقعت. إذن فهذا الاسم هو على أرجح تقدير اسم زوجها وهذا العنوان لا بدَّ أن يكون محل إقامتها حيث يوجد التليفون. لم يكن من الصعب الوصول لهذه الأشياء ونحن نحيا الآن في عصر المعلومات والحكومة الإلكترونية.
حملتني رجليَّ إلى هناك حيث يتطابق العنوان الذي أحمله معي وذاك العنوان الباهت المكتوب على حائط الشارع الذي لا تكاد العين أن تميز أحرفه التي محتها شمس السنين وحرها. حي شعبي فقير متراصة بيوته بشكل عابث كئيب بفعل تأثير الزمان الذي رسم ملامح شيخوخته على جدرانها بل وعلى وجوه أغلب سكانها. وقفت أنظر مترقبا ظهور وجه أعرفه وأبحث عنه...أخيراً خرج من هذا البيت الذي كنت أقصده صبي صغير ناديت عليه بصوت منخفض وسألته إن كان يعرف (...) اسم الرجل الذي توقعت أن يكون ربَّ أسرة السيدة التي أبحث عنها، فأجابني الصبي بأن (...) مسافر منذ سنوات وإنني إن كنت أريد شيئاً من أسرته فعليَّ أن أنادي على (حسن) ابنه بأعلى صوتي وأنا اقف في الشارع. وذلك لأن السيدة أم (حسن) ستكون في البيت وحدها إن كان حسن في المدرسة. وقد أفهمني الصبي هكذا بذكائه الفطري أنني غير مسموح لي بالدخول على السيدة بمفردها وهي في بيتها. وقد شعرت بالرضى وبصدق كلام هذا الولد ودقة المعلوماتي عندما ذكر لي اسم (حسن) في سياق كلامه.
فَضَّلْتُ أن أقف بالقرب من البيت مراقباً لأنه لم تكن هناك إختيارات أخرى كمقهى أو مكان للانتظار في المنطقة. لم يمضي وقت طويل حتى أخرجت هامتها من الشباك ناظرة لتتحق من بائع جائل كان يقف تحت البيت الذي تسكنه ثم أدخلتها وعادت مرة أخرى إلى الشباك مسرعة، فعلى مايبدو أنها لمحتني وهي تسحب نفسها من الشباك، وهذه المرة عندما عادت إليه نظرت نحوي بشكل مباشر وهي تتحقق من وجودي بالفعل. بعدما أصبحت بالنسبة لها كالشبح الذي يخيفها ويقلق منامها. فلا شيء في مجتمعنا يقلقنا أكثر من الشرف وما يرتبط به. وبعد حوالي دقيقة عادت مرة أخرى لتظهر من جديد في شرفة البيت المتواضعه وأخذت تنظر يمينا وشمالا وهي تتحقق من عدم رؤية أحد لها وهي تنظر نحوي. كانت ترتدي ملابس أهل المناطق الشعبية وقد غطت رأسها بحجاب صغير. ثم كررت بعد ذلك خروجها للشباك أكثر من مرة وهي تظهر لتختفي من جديد في كل مرة وهي تراقب وقوفي على بعد من البيت الذي تسكن فيه. لم يمضي وقت طويل قبل أن تنزل من هذا البيت سيدة غير معلومة الملامح، لأنها كانت تلف جسدها كله بما فيه رأسها (بملائة لف) فلا يظهر منها أي شيء، حتى ملامح وجهها التي كانت تخفيها كعادة بعض سيدات المناطق الشعبية المغلقة تحت هذه الملائه، وأطل وجهها بنظرة وهي تفسح له الطريق بيدها بين طيات غطائها لتصل إليَّ نظرتها التي بينما كانت تمر من أمامي، عرففتها وتيقنت منها خاصة بعدما وصلتني رسالة عينها وهي تغمز بإشارة واضحة وكأنها تقول لي اتبعني. سارت مسافة طويلة حتى خرجت من الحارة ثم قطعت بعض الشوارع الأخرى إلى أن وصلت إلى أحد المحلات الكبرى وتمهلت أمامه حتى لحقت بها، فبادرتني بالتحية ثم قالت: "لقد عشت هذه الأيام الثلاثة الماضية في رعب وكلما أرتفع صوت في الحارة كان قلبي يكاد أن يتوقف عن النبض و أنا أشعر وكأن الموت يترقبني، لماذا لم تأت أو تتصل من قبل". "كنت مشغول" أجبتها. وهنا أفسحت طرفيّ الملائة عن بعضهما فكشفت عن وجهها وعن التحجيبة التي تضعها على رأسها تحت هذا الغطاء، فقلت لها: "ما هذا كله؟... (تحجيبة) تحت (الملائة اللف)... ألا تغالين كثيراً ... أم أنك تودي أن تخفي بهما (بدلة الرقص) التي ترتدينها أسفلهما...؟". أحنت رأسها إلى الأرض خجلاً وبعد برهة من الصمت قالت وهي مستمرة في النظر للأرض وكأنها ترقب شيئاً عليها، "لا تظلمني... فيكفيني ظلم الحياة التي أعيشها... وظلمي لنفسي، بل وظلم أبنائي الغلابة، قبل أن تعرف حكايتي، ولماذا فعلت ما قد فعلته" فقاطعتها قائلا: "أعتقد أنه من الصعب علينا أن نتحدث هنا... ما رأيك... لديّ مكان أمن ملك لصاحب لي، يمكننا أن نذهب اليه قليلاً... فماذا قلت؟" أشارت برأسها علامة على قبولها ذلك بإنكسار وهي مازالت حتى هذه اللحظات مستمرة في النظر للأرض. فقد كان من الصعب عليها أن ترفض وهي تود أن تنهي هذه المسألة بطريقة لا تفضح أمرها مهما كلفها ذلك الأمر، كانت مستعدة للتضحية بأي وبكل شيء حتى بحياتها إن استدعى الأمر أن تموت أو تنتحر قبل أن ينفضح أمرها.
جلسنا نتحدث في الشقة التي أسكنها، والتي كنت قد قلت لها حينما كنا نتحدث في الشارع إنه مكان يملكه صاحب لي. وقد وضعت (ملائتها) جانبا، بعدما أزاحتها من على رأسها ونحن نستقل سيارة الأجرة التي أقلتنا إلى هنا مكتفية بالتحجيبة التي تضعها فوق رأسها خاصة بعد خروجها من دائرة معارفها وأقربائها. الآن تبدوا ملامحها الحقيقية بلا تزييف ولا تزيين، خاصة وهي بدون الأصباغ التي كانت تضعها على وجهها من قبل، وتغطي شعرها الطويل بهذا الغطاء. ملامح سيدة تقارب ما بين الأربعين والسابعة والأربعين من عمرها.
بينما كنا نتحدث مددت يدي وأمسكت عدة صور كانت موضوعة على المائدة التي أمامي بعدما أن أخرجتهم من مظروف كان يحويهم, وبدأت أقارن الصور بالسيدة الجالسة أمامي خاصة هذه الصورة التي تظهر فيها بمفردها على المسرح وهي ترتدي. وقد لاحظت هي أنني أفعل هذا وبدأ على وجهها الخجل. فقلت لها "أظن إنه لا يمكن أن يخطر على باله أحد أن هذه الراقصة التي ترقص هنا على المسرح ببدلة الرقص التي تظهر فتنة وتقاطيع جسمها يمكن أن تكون هي نفسها هذه السيدة الجالسة هنا الآن بالحجاب أمامي أو تلك التي كانت تسير منذ قليل (بالملائة اللف) في الحارة" وقدمت لها الصورة، فأمسكتها ولم تنظر لها كثيرا ووضعتها جانباً، فقلت لها: "لقد قمت بعمل نسخة مكبرة من صورتك هذه وأنت ترقصين ببدلة الرقص على خشبة المسرح، ووضعتها في إطار جميل، لكي أحتفظ بها للذكرى في غرفة نومي الخاصة... كما يحتفظ البعض بصور نجومهم المفضلين في غرفهم الخاصة... فأنت من الآن وصاعداً راقصتي المفضلة".
كانت صامته غالبية الوقت أو تجيب بكلمة واحدة أو بحركة من رأسها وبعد أن عرضت عليها جميع الصور وأنا أعلق عليها وعلى الملابس التي ترتديها أو قل لا ترتديها في الصور. وما أن أنتهيت من عرض الصور عليها والذين كان قد أحضرهم لي المصور في نهاية السهرة بالمسرح. قالت لي: "أنا تحت أمرك ماذا تريد مني؟" فأجبتها: "ماهي مهنتك؟". فقالت: "ربة بيت لأسرة مكونه من...". فقلت لها مقاطعاً: "ولكنني لم أتعرف عليك في البيت أو وسط أسرتك، لقد تعرفت عليك على خشبة المسرح، فماذا كنت تفعلين هناك؟ ماهي وظيفتك على المسرح؟." قالت: "ولكنني أقسم لك أنني سيدة فقيره و أربي أطفال صغار..." قاطعتها: "سنتكلم في كل هذا فيما بعد ولكنني اسألك الآن سؤال في غاية البساطة. ماهو عملك على خشبة المسرح؟؟". فأجابت بصوت منخفض وهي في منتهى الخجل: "راقصه". فقلت لها: "هذا فقط ما أريد أن اسمعه منك والآن أريدك أن ترقصي لي".
لم يكن رقصها هنا كرقصها على المسرح ببدلة الرقص الشرقي التي كانت ترتديها خاصة وهي ترقص الأن بهذه الملابس العادية وبدون زينة وأصباغ على وجهها، كانت ترتدي عبائتها أو فستانها الطويل الذي ترتديه السيدات في المناطق الشعبيه وقد حزمت وسطها فوق العبائة بالغطاء الذي كانت تضعه على رأسها، مظهرة بذلك تضاريس ردفيها، ذلك بعد أن أطلقت لشعرها العنان. أخذت تتمايل يمينا وشمالاً وهي ترقص ولم تكن تعلو وجهها التعبيرات والإيحاءات الجنسية التي كانت تعلوه حينما كانت ترقص على خشبة المسرح، رقصت وراحت تسترسل في رقصها وبدأت تعود الإبتسامة إلى وجهها بعد أن إطمأنت إنها ربما تكون الآن بعيدة عن الفضيحة وكشف أمرها من ذي قبل.
كان لديها الاستعداد لفعل أي شيء وكل شيء لكي تهرب من المأزق الذي وقعت فيه. بل إنها أتت بإرادتها وهي تعرف ما قد ينتظرها وموافقة عليه وإلا فما معنى قبولها المجيء مع شاب إلى مكان بمفردها والصعود معه إلى مكان مغلق وهي تعرف إنها ستكون معه وحدها وخاصة وهو يعرف عنها ما يعرف فإنهما لم يتقابلا معاً في الجامعة أو في مكتبة عامه أو منتدى ثقافي أو علمي وإنما تعرف جيداً إنه التقاها في كباريه ويعرف إنها راقصه مبتزلة تحيا بعرق رقصها وتأكل بصدرها وتجذب إليها روادها بعريها. جاءت وهي تعرف إنها لم تأت لتناقش معه أزمة الثقافة في عصر الاستهلاك أو قضية العولمة وتأثيرها على الشعوب الفقيرة.
جاءت وهي تعلم ما ينتظرها وما هو مطلوب منها، والذي هو ليس بغريب عن عملها وعالم الليل الذي تمتهنه والذي سلعته الوحيدة هي جسدها الذي تتاجر به في إشباع غرائز روادها. لم يكن من الصعب دعوتها إلى غرقة النوم ومعاشرتها بكل الطرق المعروفة ولكن شيئاً واحداً كانت تختلف فيه هذه عن سابقاتها وهي أنها كانت في قمة الاستسلام حتى إنها لم تبدئ أي لذة أو اعتراض على شيء. فقد كانت تقوم بعمل كل ماهو مطلوب منها بدون اعتراض ولكن في نفس الوقت بدون تلذذ، حتى إنني بدأت أشعر بغرابة هذه السيدة التي كانت قمة الإثارة والشهوة وهي ترقص على خشبة المسرح والتي تبدو الآن في قمة البرود الجنسي وكأن ما يحدث فيها الآن هو شيء لا يخصها هي.
انتهيت من مضاجعتها وسألتها وهي ترتدي ملابسها من جديد "منذ متى وأنت تمتهنين الرقص... متى أصبحت راقصه؟. ومن الذي قام بتدريبك عليه؟." فأجابت قائلة: "لقد بدأت أعمل كرقاصه على المسارح منذ أربع سنوات فقط. ولكنني كنت أرقص قبل ذلك لكن في أماكن غير عامه". سألتها: "هل تحبين الرقص؟. ولماذا أخترت هذه المهنه بالذات وأنت تخافين أن يعرف أحد أنك رقاصه؟". فأجابت "لم أختر أبداً هذه المهنة ولم يخطر يوما على بالي أن أصبح رقاصه أو حتى لم تخطر على بالي هذه الفكرة يوما ولكن الظروف هي...". فقلت لها: "أي ظروف؟". فقالت لي: "هذه قصة طويله ( وتنهدت وهي تغمض عينيها وكأنها تحاول أن تسترجع أو تستدعي ماض بعيد، وقالت ) لقد كنت مثل كل بنات المناطق الشعبية التي رأيتها أحلم بزوج وأسرة وأن أحيا حياتي ككل النساء في تربية أبنائي ورعايتهم... ولكن القدر وقف لي بالمرصاد فبعد أن أعطاني الزوج والأبناء وبدأت حياتي نوعا ما في الإستقرار أبى إلا أن يعاندني، فقد سافر الزوج للعمل في العراق ككثير من الشباب تاركاً خلفه ولد وبنت لم يلتحقا بعد بالمدرسة وكانت حجته في السفر هي توفير حياة كريمة لهما لكي لا يعانيا الفقر والحرمان الذي عاناه هو شخصياً في طفولته ذهب ولم يعد للآن، فبعد سفره بفترة قصيرة وهي عدة أيام دخل الجيش العراقي دولة الكويت وعاد كثير من العاملين بعد ذلك إلى مصر تحسباً لحرب متوقعة ولكنه أبى ألاَّ يعود قبل أن يحقق مطمحه. وهكذا انقطعت أخباره حتى اليوم وقال بعضهم إنه قتل هناك أثناء العمليات الحربية وآخرون قالوا بل تزوج هناك من سيدة عراقية، وهكذا لم نسمع عنه أية أخبار طيلة هذه السنوات التي مضت...". "ولكن لماذا أخترت الرقص؟ ألم تجدي أي مهنة أخرى؟" سألتها فقالت: "أترى أن العمل متوفر بكثرة في البلد؟ وإعلانات الوظائف الشاغرة تملأ الصحف؟. أعتقد إنه حتى الشباب الذين تخرجوا من الجامعة ويحملون أعلى الشهادات يجدون صعوبة في الحصول على عمل! فكم وكم تكون صعوبتي أنا، وأنا لم أذهب إلى المدرسة سوى عدة سنوات أقل من أن تحصيها أصابع يد واحدة ولا أعرف من الكتابة والقراءة إلا اسمي بالكاد. فماذا كان يمكنني أن أعمل وأنا أعول أسرة مكونة مني ومن ولد وبنت يلزمهما الكثير وكذلك والدة زوجي التي توفت العام الماض؟. ماذا كان علي أن أعمل؟... أنا لم أمتهن هذه المهنة مثل البعض الذي يطمح في الثراء الفاحش أو الشهرة أو حباً في الرقص، ولم أحصل على شهادة قد تساعدني في الحصول على عمل يكفي أحتياج أسرتي". "وكيف بدأت العمل كرقاصه هل كان من السهل عليك الدخول بسهولة في هذا العالم؟". قالت وهي تسرح بخيالها للخلف متذكرة: " كان هذا منذ سنوات ولم أكن وقتها أفكر في الرقص كمهنه وقد كنت بعد أكثر شباباً. كان ذلك عندما كنت أحضر عرس إحدى صاحباتي وقد شاركت البنات والسيدات الذين كن يرقصن فوق سطح العمارة كواحدة منهن... كما نفعل عادة في الأفراح والمناسبات، ويبدو أن هناك عين كانت تراقبني وأنا أرقص كان هذا أحد الأثرياء الذي أعجب بي وعندما سأل إحدى صاحباتي والتي كان يعرفها جيداً عني قالت له إنها سيدة متزوجه وهي زوجة (...) وبعد أن أخبرها أنه معجب بي وبرقصي و...،. كنت قد توقفت عندئذ عن الرقص وجلست جانباً أشاهد بقية الذين يرقصون ولم أكن أفكر في أي شيء أو أتخيل أن هناك من يراقبني. عندئذٍ أشارت إلي صاحبتي وأخذتني جانباً وقالت لي وهي تضحك: "ما رأيك في 100 جنيه؟". فقلت لها: "ماذا تعنين بذلك؟ لا أفهمك!" فأجابتني قائلة: "هناك أحد الأشخاص معجب برقصك وأنا قمت بمراهنتة على مائة جنيه في مقابل أن أجعلك ترقصين مرة أخرى فماذا تقولين؟". فقلت لها بغضب: "كيف يمكنك أن تسمحي لأحد أن يتحدث عني أمامك بهذه الطريقه وهل تقبلي لي أن أكون رقاصه؟" فقالت لي وهي تهدئ من غضبي: "إنه لا يعرف إنني سوف أقول لك ماحدث بيني وبينه ولن أقول له أيضا مايدور بيننا الآن... وماذا سيضيرك في هذا لقد رقصتي منذ قليل، فماذا يمنع أن ترقصي مرة أخرى وسط هذا الحشد من البنات والسيدات التي ترقص وكانني لم أقل لك شيئاً عن هذا الرجل... سنكسب مائة جنيه تنفعنا في هذه الأيام الصعبه بدون تعب...".
وبعد حديث طويل معها وتردد كبير أقنعتني أن أرقص مرة أخرى وسط البنات والسيدات اللاتي كن يرقصن أمام العريس وعروسه الذين جلسا جانبا على كرسيهما في إحدى جوانب سطح العمارة. وهذه المرة عندما رقصت حاولت أن أطيل في رقصي بدون النظر لمن يراقبني وكأنني أفعل هذا من تلقاء نفسي. كانت هذه هي المرة الأولى التي أرقص فيها في مقابل مادي حيث تقاسمت مع صاحبتي هذه المائة جنيه بعد نهاية العرس.
لا توجد سيدة أو بنت لا تعرف شيئاً من الرقص. ولكن ليست كل سيدة يمكنها أن تصبح راقصة، حتى لو كانت تجيد الرقص. فالراقصة يجب أن تتمتع بصفات معينة كأن تكون على قدر من الجمال وأن يكون جسمها وقوامها يساعدها على ذلك كذلك أن تكون جريئة وأن تستطيع أن تتخلص من خجلها لأنها ستكون محط أنظار الناس، خاصة عندما ستكون ببدلة الرقص، على المسرح أو في أي تجمع، عرس أو مناسبة سعيدة. وكذلك أن تكون صبورة خاصة أمام ردود أفعال وكلمات الجمهور الذي يظن إنه اشتراها بالتذكرة التي دفعها أو "النقطة" التي وهبها. عليها أن تتحمل أقزر وأقبح العبارات الجنسية الفاضحة، التي كثيرا ما تقال لها في أذنها. وأن تبتسم لعشرات طلاب الزواج منها في كل ليلة دون أن يكون عند أحدهم الاستعداد للوقوف معها أمام مأذون أو الارتباط معها بورقة واحدة أو اقران اسمه باسمها. نعم كثيرون يطلبون الزواج مني لكن بدون زفاف أو مأذون أو شهود، قالت هذا وهي تتنهد بمرارة.
"ولكن متى احترفت الرقص" سألتها وأنا أود أن أعرف كل خباياها وكيف تتحول فتاة أو سيدة إلى هذا العالم المليء بالغموض والسريّة فأجابتني قائلة: "في البداية لم يكن الموضوع سوى عملية نصب صغيرة لكسب بعض النقود من ذاك الرجل الذي راهن على أن أرقص في العرس والذي كانت تعرفه صاحبتي. هذا الرجل أخبر صديقتي مرة أنه مستعد أن يدفع لي أي مبلغ أطلبه على شرط أن أرقص له وحده. لقد كان لصديقتي هذه دور كبير في الزج بي إلى هذا العالم. جائت إلى زيارتي يوماً وأثناء حديثنا معاً وكانت تعرف كل ظروفي المادية وسفر زوجي الذي كان قد طال ولا نعرف عنه شيء، وأثناء حديثنا معاً قالت لي وهي ضاحكة وكأنها تريد أن تختبر ردة فعلي "تخيلي الرجل الذي راهن علي 100 جنيه لكي يقنعني أن أجعلك ترقصي في الفرح، جاء لزيارتنا أمس... تخيلي الرجل المجنون عارض أي مبلغ تطلبيه مقابل أنك ترقصي له وحده " وضحكت ضحكة لها مغزي وهي تنتظر معرفة ردة فعلي على ما قالت. فأجبتها "وأنت بماذا أجبتيه" قالت وهي تنظر نحوي بنظرة مكر وفي عينيها خبث ظاهر" ولا شيء... لم أجبه... مَنْ يعرف... يمكن نستطيع أن نستفيد منه بمبلغ ولا شيء مفيد". "أنت مجنونة، ما هذا الذي تفكرين فيه كيف يمكنك أن تفكري في شيء كهذا" كان هذا رد فعلي الذي لم يخلو من العصبية وأنا أجيبها فما كان منها إلاً أنها قالت لي وهي تحتفظ بكثير من هدوئها: " وماذا في ذلك إذا كنا سوف نعرف نستغله... هذا الرجل من الأثرياء، وهذا يعني أننا بلعبة صغيرة يمكننا أن نكسب منه الكثير... ليتني أعرف أرقص، لكنت رقصت له وفعلت كل مايريد".
السيقان تدرُّ ربحاً أكثر من العقول والعَوالِم يكسبن أكثر بكثير من العُلماء، فيكفيك أن تتأمل حياة لاعبي كرة القدم في أي بلد من بلاد العالم، وما يحصلون عليه من أرباح، هذا بالأخص إذا ما قارنت بينهم وبين رفاق دراستهم الذين أكملوا درب التعليم حتى نهايته، وحتى الذين وصلوا إلى أعلى السلم الوظيفي منهم. أو يكفيك أن تقارن بين ما تحصل عليه راقصه في ليلة واحده أو حفلة وما يحصل عليه أستاذ جامعي أو عَالِمَةٌ في مجال الكمياء أو الزرَّة أسرفت فأمضت غالبية عمرها بين الكتب والتجارب والأبحاث، وقتها ستدرك جيداً أن السيقان تدرُّ ربحاً أكثر من العقول، أفضل العقول في عصرنا هذا الذي أصبح كل شيء فيه للاستهلاك، وقد أصبح كل شيء فيه مستهلك وسلعة، حتى الإنسان نفسه أصبح سلعة يباع ويشترى ويعرض للبيع ويطرح في المزاد،... فإن كنت لا تصدق كلامي هذا فإنني أقول لك ألمْ تقرأ في كثير من صحفنا عن هذا اللاعب أو ذاك الذي بيعَ من النادي الذي يلعب له إلى ذاك بمبلغ (...) من المال أو ذاك البطل المعروض للإنتقال إلى ذاك البلد للإحتراف فيه مقابل (...) من المال. لقد أصبحنا بفضل أو قل بسوء ثقافة الاستهلاك التي تحكم عصرنا معروضين في سوق الاستهلاك مقابل ما نملك وأصبحت قيمتنا الاسمية هي قيمة شهاداتنا وثقافاتنا التي حصلنا عليها أما قيمتنا الفعلية فهي قيمة ما نملك من ثروة ومال. أما قيمتنا الحقيقية والانسانية فلا أحد يهتم بالبحث أوالسؤال عنها، ولا عزاء لأصحاب العزة والكرامة.
لم يكن من الصعب إذن الدخول إلى هذا العالم الذي تراني فيه الآن لقد بدأ الموضوع كله كحيلة لكسب بعض النقود، عملية نصب واحتيال صغيرة أو استغلال للتربح من هذا الانسان الذي بدأ كريما سخيا في عطائه في سبيل إشباع غرائزه وملء عينيه من مشاهدة إمرأة ترقص له وحده، لم يشبعه في بادئ الأمر المرور على أحد المسارح أو صالات الرقص المنتشرة التي تعرض رقصها وراقصاتها على الرواد وإنما ذهب به الطمع والأنانية إلى درجة الاستحواز، فأراد أن يمتع نفسه وحده برؤية هذه المرأة وهي ترقص له وحده. وقد زادت أوامره وطلباته ورغباته مع زيادة عطائه المادي الذي كان يقدمه، وهكذا تحولت من إمرأة ترقص مشاركة الأصدقاء فرحة زواجهم إلى راقصة ترقص مقابل هبة مادية ثم أجر مادي. من رقصة على سطح عمارة مع ما لا يقل عن عشرة فتيات وسيدات إلى رقصة في بيت صديقة أمامها وضيفها إلى رقصة أمام رجل وحده. من رقصة بكامل ملابسي كإمراة إلى رقصة مكشوفة الراس بدون غطاء إلى رقصة بقميص نوم بدون فستان إلى رقصة بملابس داخلية إلى رقصة ببدلة رقص كانت إحدى هداياه لي والتي أدخلتني إلى هذا العالم.
لا توجد فتاة أو إمرأة تفكر أول ما تفكر في احتراف الرقص، أو أن تصبح راقصة. ولكن توجد فتاة أو إمرأة ترقص في المناسبات الخاصة كعرس، رحلة نيلية إلى القناطر حفلة عيد ميلاد، جلسة بين الصديقات، وحتى إنه توجد كثير من النساء والبنات يرقصن بمفردهن في بيوتهن أمام التليفزيون أوعلى أنغام موسيقى الأغاني التي يسمعونها. هذه الفتاة أو المرأة إذا ما اتيحت لها الفرصة المناسبة تحولت إلى راقصة. وهذه تنتقل تدريجياً حتى في لبسها، فلا توجد راقصة أو فتاة بدأت رقصها ببدلة رقص وإنما يبدأ كل شيء تدريجي، ترقص بفستانها الذي ترتديه وحتى بالحجاب الذي يكون على رأسها، وفي مرحلة لاحقة بفستان أقصر بعض الشيء ثم بعد ذلك بقميص نوم أو ما يشبهه ثم بعد ذلك بالملابس الداخلية، وفي النهاية ببدل الرقص أشكالها وأنواعها. ترقص أمام الصديقات ثم بعد ذلك ربما في حضور أصدقاء، أقارب... ثم أمام صديق، خطيب، زوج، عشيق... وهكذا. وبالمثل كلما زادت الخصوصية كلما قلت الملابس ومساحة ما تغطيه أو تخفيه.
أما الفرصة المناسبة فيمكن أن تكون أزمة مالة تدفع الفتاة أو المرأة إلى الدخول إلى هذا الطريق الصعب عندما تجد أن كل الطرق الآخرى مغلقة أمامها، أوتجد نفسها مدفوعة بفعل فاعل إلى هذا الطريق. فأنا شخصيا أعرف بعض الذين دفعتهم ظروفهم الأسرية إلى هذا العالم، كأن يسمح زوج لزوجته بالدخول إلى هذا العالم والذي ربما يكون قد خطط من قبل أن يتزوج من فتاة من هذه النوعية، تهوى الرقص وبعد فترة من الزواج وتحت وطأة الظروف يدفعها إلى العمل كراقصة وتقبل هي هذا وذلك لأن بذرة هذا العمل تكون مغروسة فيها من قبل ولديها الاستعداد الداخلي للدخول إلى هذا العالم والذي ربما تكون قد بدأته من قبل عملها فيه بالفعل، ككل البنات اللاتي تمارس هواية الرقص في المناسبات، فماذا يضيرها أن تتحول هوايتها هذه إلى حرفة وعندئذ يستهويها أيضا بريق المال الكثير الذي تدره هذه المهنة والتي لا تحتاج إلى أي نوع من الشهادات أو المؤهلات الجامعية.
بل أن مهنة كهذه بعدما كانت حكراً على فريق من الناس يُعَدُّ فرزاً من إفرازات الطبقة الفقيرة والمعدمة التي تدفعها ظروف الفقر والعوز إلى مهنة كهذه ، أصبحت اليوم رغبة ومطمحاً لدى كثير من النساء والفتيات من حاملي أعلى الشهادات الجامعية. بل وكثيرات من سيدات الطبقة الغنية ترى في هذا الطريق أقصر الطرق إلى أهدافهم. ولا يخفى على أحد أنه قد إنتشرت، في الغرب الأوربي وأمريكا، كثير من المدارس التي تعلم الرقص الشرقي للسيدات الأوربيات وقد نافست كثيرات منهنَّ الراقصات المصريات والشرقيات في عقر دارهنَّ، خاصة الراقصات الروسيات، بل إن أغلب مطاعم روما، عاصمة أوربا، لا يخلو أحد مطاعمها وفنادقها ليالي الجمعة والسبت والأحد من راقصه شرقيه، غالباً ما تكون إيطاليه احترفت الرقص الشرقي، أو مصرية أو مغربيه. أذكر أنني في إحدى زياراتي لفرنسا وبالتحديد باريس، أرادت الأسرة التي كانت تضيفني أن تحتفي بي، فأخذوني إلى مطعم شرقي للعشاء- أعتقد أن اسمه كان (الشام)- وأثناء العشاء خفِّضت الإضاءة فجأة ودوت في المكان موسيقى شرقيه مصريه أصيله، وفجأة خرجت علينا راقصة، قمة في الروعة والفتنة والإثارة ترتدي بدلة رقص شرقي، رقصت كأجمل راقصاتنا. عرفت فيما بعد أن هذه الراقصه تنتمي إلى الجنس الثالث، أي أنها كانت شاب ككل الشباب ثم بعد ذلك ومن شدة عشقه وإعجابه بالرقص الشرقي وهوسه به حول جنسه من ذكر إلى أنثى، كاملة المعالم الإنثويه والتضاريس، بإجراء جراحات تجميل وتعاطي هرمونات انثويه. وذلك ليصبح (راقصه شرقيه) حتى إن أي شخص لا يعرف قصة تحوله هذه لا يستطيع أن يكتشف إنه كان فيما سابق ذكراً. وقد فعل كل هذا ليحترف الرقص الشرقي الذي يعشقه وقد أصبح الآن إحدى أشهر راقصات باريس، بل تغلب على كثير من المغربيات اللاتي يمتهن الرقص الشرقي هناك.
لقد تحول دور الراقصة من سيدة لا قيمة لها ولا تطمح في الانتماء إلى مركز أجتماعي مرموق أو شكل من أشكال التواجد المتميز في المجتمع، إلى راقصة اليوم التي تعد مظهرا من مظاهر المجتمع وأحد أوجهه اللامعة التي تتلاحق شاشات التليفزيون على استضافتها وتتسارع الصحف في تتبع حياتها، بل لقد غزت الراقصات بيوتنا عنوة، حتى في شهر الصيام، الذي تسارع مقدمو البرامج فيه إلى استضافة حتى الراقصات وذلك على اعتبارهن- وكما يقول البرنامج أو اسمه- من (نجوم رمضان). بل لقد أصبحت الكثير من الراقصات نجوم مجتمع ووصلن في علاقاتهن بمسؤلين في مواقع القرار والسلطة والسياسة إلى أواصر لا يحلم بها حتى الكثيرين من العلماء والمثقفين ورجال الدين والمفكرين... وكثيرون غيرهم من ابناء مجتمعنا.
لقد علمتني الخبرة أن المرأة إن اخطأت فالعقوبة يجب أن توقَّع على زوجها، أما إذا اخطأ الرجل فإن خطأه هذا هو علامة على خيبة زوجته. نعم إن أخطأت المرأة فالعقوبة يجب أن توقّع على زوجها الذي ليس فقط لم يستطع أن يحكمها بل ربما لم يستطع أن يشبع رغباتها وغرائزها وأحاسيسها، لم يستطع أن يعاملها ربما على إنها شريكة معه في كل شيء حتى في لذته الجنسيه وليست آداة لإشباع غرائزه وإفراغ طاقته. فهي مخلوق مثله لها إحتياجاتها، رغباتها، مشاعرها وأحاسيسها.
أما إذا أخطأ الرجل فإن خطأه هذا فهو علامة على خيبة زوجته التي لم تستطع أن تلبي رغباته أو تقدِّم له الإشباع الكافي فذهب يبحث عن ذلك حيثما يمكنه أن يجده، إن كثيرات من النساء تخمد عاطفتهن وتبرد رغبتهن بإنتهاء شهر العسل أو مع وصول أول طفل يلدنَّ. وكأنهنَّ قد ضمنَّ بذلك أنهنَّ قد قيدنَّ إليهنَّ زوجهنَّ بقيد هذا الزواج أو الطفل الذي ولدنَّ. وهذا خطأ قاتل.
على المرأة أن تبقى، ماعاشت على وجه الدنيا، ليس فقط زوجة وإنما عروس لزوجها، نعم أقولها وأقصد بالتحديد كلمة عروس، عروس بكل ماتحمله الكلمة من جمال وفتنة وزينة وملبس وبريق وقبلهم جميعاً أقصد كل ما تحمل الكلمة من أحاسيس.
أما الرجل فيجب أن تمتد فترة خطوبته لزوجته، بكل ماتحمل هذه الفتره من حب و رومانسيه وإعجاب وهيام، إلى اخر يوم في حياته وإن عاشا بالطبع، بعد الزواج عروسة وعريس.
(تمت)
المحروسة 2005 أشرف البنهاويّ