مما لا شك فيه أن الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني تتسم بدرجة عالية من التعقيد والصعوبة إلى درجة يمكن وصفها بالانهيار الحقيقي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ... وتفشي الجريمة التي أصبحت إلى حد ما جريمة منظمة تقودها مع بالغ الأسف تنظيمات ما نشأت إلا لحماية المصالح العليا لشعبنا من حيث المبدأ وها هي تنقلب الآن لمجموعات من العصابات المنظمة تعيث الخراب والقتل والفساد في مجتمعنا دون رادع أو وازع من ضمير منطلقة من حسابات ضيقة لم يعد لها أي صلة لا من قريب ولا من بعيد بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني التي تتنادى بها صبح مساء ومن على كل المنابر.
لقد علق شعبنا الكثير من الآمال على النهج الديمقراطي الذي ميز حياتنا السياسية والذي يترك مساحة للآخر وللشراكة السياسية على اعتبار أن الجميع ودون استثناء يقع في دائرة الاستهداف شئنا أم أبينا فالكل تحت الاحتلال والحصار والقتل وامتهان الكرامة الإنسانية في كل مناسبة وعلى كل بقعة من هذا الوطن الرازح تحت الاحتلال والعدوان فالمسئولية جماعية كما الاستهداف جماعي.
إن الانتخابات الأخيرة ورغم كل ما يمكن أن يقال عنها من مصطلحات النزاهة والشفافية والشهادات العالمية في هذا الصدد لم تشكل رافعة لشعبنا وإعادته إلى الواجهة العالمية بل شكلت منعطفا حادا أدى بشعبنا إلى الحصار والعزلة وبالتالي إلى الجوع والفقر والحرمان تحت طائلة التمسك بالثوابت وشعارات الهدنة المؤقتة مع من؟ مع دولة الاحتلال التي يرفض المزايدين الاعتراف بها ويقبلون بالتنسيق حول القضايا اليومية وعقد الهدنة معها في محاولة لتضليل الشارع الفلسطيني غير القابل للتضليل وكأن الفلسطيني هو اللاعب الوحيد والقوي الذي يستطيع فرض الشروط ووضع القيود وتحديد النصوص وما أكثرها خاصة من على المنابر وأمام الحشود المؤمنة.
إن التصريحات النارية التي ما فتئت تنطلق من هنا وهناك لا يمكن أن تؤدي إلى خدمة شعبنا وان محاولات إثارة الفتنة الداخلية سواء من خلال الاغتيالات السياسية أو التستر على القائمين بها أو من خلال المواقف المتعنتة والاتهامات المتبادلة ومحاولات إلقاء الكرات في ملاعب الآخرين لن تفيد ولن تجدي من يقومون بها
إن الهروب إلى الأمام من الأزمة الداخلية التي يمر بها شعبنا والتي لم تستطيع الحكومة العتيدة حتى الآن إيجاد الحلول لها لا يمكن أن تشكل مخرجا لهذه الأزمة ولا يمكن أن تعفي الحكومة من مسئولياتها التي يتوجب عليها مواجهتها والتي لا يمكن أيضا لها أن تستمر على هذا الحال فليس صحيحا أن يستمر الوضع السياسي الفلسطيني على ما هو عليه من حيث وجود سلطة برأسين وبرنامجين غير متوافقين لأن معنى ذلك هو تجميد الوضع على ما هو عليه وكلما طال الأمد استعصت المشكلة واتجه الشعب نحو الانهيار الحقيقي وكاذب من يدعى أن الناس يستطيعون الصمود وهم جوعى.
ومن هنا إنني استهجن تصريحات وزير الخارجية السيد محمود الزهار التي وصف فيها بعض البدائل التي يمكن أن يتم اللجوء إليها للخروج من الحالة الراهنة كحكومة طوارئ أو حكومة إنقاذ وطني سمها ما شئت، أو انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة بأنها وصفات سياسية لحرب أهلية أو داخلية فلا ادري ما هو البديل الذي يقترحه الدكتور الزهار كمخرج من الأزمة الحالية ؟ ولا تقل لي حكومة وحدة وطنية، فقيادات حركة حماس إما أنها خارقة العبقرية لدرجة أنها ترى أن ما عداها أغبياء أو أنها شيء آخر... فلا شك أن حكومة الوحدة الوطنية لها استحقاقات اعتقد أن على حماس إدراكها وعدم الهروب منها إذ لا يمكن أن تقوم حكومة الوحدة الموعودة على برنامج حماس.
نعم إن تصريحات الدكتور الزهار تسبب الصدمة وتثير الحفيظة فهل العودة إلى الشعب مصدر السلطات يمكن أن يقود إلى حرب أهلية؟ متناسين التغني بالثقة المطلقة بالشعب والحرص على مصالحة، أم البقاء والاستمرار في حديث الطرشان حول ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية مع استمرار الحصار وتعمق الفقر والجوع والإضراب والتجهيل أفضل؟ مع الحفاظ على الحكومة الحالية في السلطة رغم كل ما يمر به شعبنا.
أسئلة يجب الإجابة عليها بكل شجاعة ومسئولية ، إن الشعب الفلسطيني قادر على التفريق بين الغث والسمين وهو قادر على اختيار قيادته كما حدث مؤخرا وبالتالي ما المانع من العودة إلى هذا الشعب الذي نتغنى بالحرص عليه والثقة فيه أم يعتقد السيد الزهار أن العودة للشعب يجب أن لا تتعدى المرة الواحدة والتي أتت بهم إلى الحكومة ؟ وإذا ما كان هذا التغني حقيقيا فيجب عدم الخوف من العودة إلى الشعب وكل فصائل العمل الوطني والإسلامي يجب أن تتحمل مسئولياتها وإذا ما كانت صادقة فيما تطلقه من شعارات رنانة عليها ألا تخشى العودة للشعب مصدر السلطات كما يقولون ويدعون، وعلى الواثق من قدرته على استقطاب هذه الجماهير والحفاظ عليها أن لا يخشى من العودة إليها في أي مرحلة وفي أي ظرف فهي صمام الأمان والوعاء الحامي لكل هذه القوى.
وإذا ما كانت حماس صادقة فيما تقول بأنها تملك ستين بالمائة من الجمهور الفلسطيني يتوجب عليها أن تطالب بالعودة لهذه الجماهير ومبروك عليها السلطة برأسيها الرئاسة والحكومة ومواجهة الواقع بنفسها وسنقبل بما تفرزه الانتخابات وسنكون جنودا عند الحكومة القادمة ملتزمين بما تقرره سواء كانت حمساوية أم غير حمساوية ولكن لا يمكن أن نستمر بجسم سيامي برأسين غير قادر أي منهما على قيادة هذا الجسم وفي أي اتجاه.
وبالتالي فان الرئيس الفلسطيني مطالب وبعد إعطاء الفرصة الأخيرة والتي يجب أن لا تطول رحمة بشعبنا أن يعمل بالدستور وبالصلاحيات الممنوحة له وفقا لهذا الدستور وان يعلن عن انتخابات مبكرة للرئاسة والبرلمان فلا خيار آخر يمكن أن يكون قادرا على الخروج من هذه الأزمة المستعصية غير هذا الخير فإما خروج من الأزمة أو دخول إلى أزمة أخرى على من يمثلها تحمل مسئولياتها وحدة. وليترك الأمر للشعب ليأخذ قراره ومن غير المسموح لحماس أو غير حماس أن تفرض على شعبنا البقاء والاستمرار في حالة الجمود والحصار الحالي تحت أي ذريعة وعلى من يهدد بالحرب الأهلية أن ينكفئ ويقبل بما سيقرره الشعب الفلسطيني لاحقا كما قبل الجميع بما افرزه هذا الشعب العظيم سابقا ومن غير المسموح أن يتمترس البعض عند مصالحة الضيقة متغاضيا عن مصالح الشعب تحت شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع ومن غير المعقول القبول بمقولة "مقسوم لا تأكل وصحيح لا تقسم وكل حتى تشبع "