حقق المسلسل السوري ‘أيام الولدنة’ نجاحا كبيرا بنيله خمس من أهم جوائز مهرجان القاهرة للإعلام الذي أقيم مؤخرا، يأتي في مقدمتها: جائزة أفضل إخراج للمخرج مأمون البني وأفضل سيناريو للكاتب حكم البابا وأفضل ممثل للفنان باسم ياخور.
ويأتي تكريم العمل متأخرا، خصوصا بعد جملة من الإشكاليات التي رافقت عرضه على الفضائيات العربية ومنعه من العرض داخل سوريا، إضافة إلى اعتراض البعض على مشاركته في المهرجان، كونه يخالف شروط المشاركة حسب رأيهم.
ويقول مخرج العمل مأمون البني إن العمل واجه إشكاليات كثيرة منذ موافقة الرقابة في سوريا على تصويره في نهاية عام 2005، مشيرا إلى أن المشكلات الرقابية حول بعض المشاهد اضطرته لإعادة التصوير مجددا ومن ثم إعادة المونتاج الذي استكمل قبل رمضان 2007.
ويضيف: ‘إن رفض الرقابة عرض العمل في سوريا والمشاكل التي واجهناها مع الشركة الموزعة حالت دون عرضه على الفضائيات العربية الكبيرة، فاضطررنا لعرضه في فضائيات لا تتمتع بمشاهدة كبيرة، ولكن الأمر تغيّر في رمضان 2008 بعد أن تغيرت الشركة الموزعة، حيث تم عرض العمل على عدة فضائيات هامة، وفي ذات الوقت شارك في مهرجان القاهرة للإعلام.’
وحول اتهام البعض للعمل بمخالفة شروط المشاركة في المهرجان، يقول البني: ‘العمل، كما أسلفت، انتهى العمل به نهاية 2007 وهو موافق لشروط المشاركة في المهرجان، لكن أحد الأشخاص الموجودين في الوفد السوري حاول إثارة إشكالية في المهرجان على أساس أن العمل قديم، معتمدا على أول مرة قُدم فيها للرقابة، لكننا أثبتنا أن النسخة النهاية للعمل كانت في نهاية 2007، واقتنعت إدارة المهرجان من الوثائق المقدمة من قبل الشركة المنتجة.’
ويشير البني إلى أن لجنة تقييم الأعمال الكوميدية في المهرجان رأت أن ‘أيام الولدنة’ يعكس ‘ألم الشارع العربي اليومي’، وبالتالي اعتبرته من أفضل الأعمال الكوميدية المقدمة لهذا العام، ‘بدليل أنهم قالوا لأحد أعضاء اللجنة وهو سوري: ‘نحن نحسدكم على هذا الهامش الديمقراطي الدرامي الموجود في سوريا الذي يسمح بوجود أعمال هامة تتحدث بصراحة عن الفساد المتفشي.’
وينفي البني أن يكون العمل يحمل صبغة محلية أو موجها ضد جهة معينة، مشيرا إلى أنه يتحدث عن الفساد الموجود في العالم العربي.
ويضيف: ‘عندما أتحدث عن تجاوزات أمنية في فرع أمني ما، هذا يعني كل فروع الأمن العربية، وعندما نتحدث عن الفساد الاجتماعي داخل أسرة ما، فهذا موجود في عدد من الأسر العربية، وبرأيي أن العمل نجح على صعيد المشاهدة والتكريم كونه يحمل صبغة عربية، ويتحدث عن مشاكل تهمّ كل مواطن داخل العالم العربي.’
وحول اتهام البعض للعمل بأنه جريء جدا في تناوله لمختلف القضايا، يقول البني:’لا أعتقد أن الجرأة في الطّرح تمثّل عيبا في العمل الفني، ثم إنني أرى أنه آن الأوان لنُقدّم أعمالا جادة نستطيع إيصالها للمشاهد دون مواربة.’
ويشير البني إلى أن المخرج في السنوات السابقة حين كان يفكر بإخراج عمل، كان مضطرا لمراعاة جميع معايير الرقابة في الدول العربية ليتمكن من تسويق عمله، ‘وكنا حينها نطلق على أعمالنا ‘مسحوب خيرها’ أي لم يبق فيها شيء، أما الآن فالوضع تغير والرقابة أصبحت أفضل بكثير.’
وردا على سؤال حول منع الرقابة لعمله، يقول: ‘دعني أوضح مجددا، المسلسل لم يتم تصويره دون موافقة الرقابة في سوريا على النص، قالوا: ‘لا مانع لدينا من إنتاج هذا العمل من قبل القطاع الخاص، دون التزام من التلفزيون السوري بشراء نسخة منه’، ومن ثمّ رفضت رقابة التلفزيون عرضه في سوريا، ولكننا أخذنا موافقة على إنتاجه والمنتج يجب أن يسوق عمله وهذا حقه.’
ويستدرك: ‘ثم إنني، رغم ذلك، أرى أن الرقابة السورية تجاوزت مراحل كثيرة وأصبحت تتقبّل النقد السياسي والاجتماعي، وهناك سعة إدراك عند المسؤولين السوريين، وهم يتقبلوا أي نقد طالما هو وطني.’
ويرفض البني اتهام البعض للعمل بأنه لا يعدو كونه تنفيسا للاحتقان الموجود، وأنه يسعى لتجميل المسؤولين الأمنيين، كون المسؤول الكبير في العمل يبدو هادئا ومتنوّرا.
ويضيف: ‘من قال إن جميع المسؤولين الأمنيين في العالم سيؤون؟ في أي بلد هناك مسؤولون جيدون وآخرون سيئون، أنا أنظر إلى نصف الكأس المليء، بل على العكس، في جهاز الأمن هناك أشخاص مثقفين جدا، وهم مثل بقية المواطنين في المجتمع، هناك المواطن الجيد ونظيره السيء.’
وحول المبالغة في أداء بعض الشخصيات يقول البني: ‘حقيقة، كان هناك صعوبة كبيرة في رسم شخصيات ‘أيام الولدنة’ وكان لا بد من المبالغة كي نبتعد بالشخصيات عن الصورة العامة التي يرسمها المواطن لرجل الأمن.’
ويضيف: ‘أردت أن أخترق كل ما هو موجود وأُبعد العمل عن الواقع المُعاش، كي يفهم المشاهد ما يحدث بدون أن نضع أيدينا على الناس الموجودين في الواقع، لنفترض أن باسم لم يبالغ (وهي مبالغة مدروسة) وقدم شخصية الضابط العادي فنحن فقدنا الروح الكوميدية للعمل، كما أنه سيصبح شبيها لأي ضابط أمن، وفي حال رفعنا وتيرة المدير المسؤول لكان مشابها لأي مدير في أي فرع أمن.’
ويقول أحد النقاد في تعليقه على العمل: إن ‘الكوميديا السياسية تلعب دور إيجابيا في البلدان الديمقراطية، أما في بلداننا فالضحك يلعب دورا سلبيا في تفاعلنا مع قضايانا الجادة.’
ويرد البني: ‘أحترم هذا الرأي، لكني أرى أن الكوميديا نوع من أنواع الدراما وبالتالي تملك تأثيرا مشابها للأنواع الدرامية الأخرى (الاجتماعية-التاريخية وغيرها)، أي أننا لا نستطيع أن نلغي نوع على حساب آخر.’
ويتساءل: ‘ثم من قال إن الضحك ليس مفيدا؟ بماذا تفسر المشاهدة الكبيرة لأيام الولدنة على عدة فضائيات عربية؟ حتى أن البعض يتصلون بي بين الحين والآخر ويناقشونني ببعض القضايا المطروحة في العمل، وهذا دليل على أهمية الكوميديا كنوع درامي هام ومؤثر.’
لكنه يؤكد أنه ليس من أنصار أصحاب الرأي القائل بأن الدراما تحدث ثورة اجتماعية، ‘أقصد بالثورة ‘تغيير في واقع ما’، والدراما برأيه ليست موجودة لتغيير الواقع، و’كل أنواع الفنون لم تكن مصدرا لتغيير الواقع، لأن وظيفتها الأساسية تنحصر في تسليط الضوء على مكان الخطأ فقط، وتبقى مشكلة التقييم والإصلاح لذوي الاختصاص.’
ويشير البني إلى مدى صعوبة إخراج العمل الكوميدي، كون التعامل مع النص الكوميدي أصعب من التعامل مع بقية النصوص (التاريخية والاجتماعية)، ‘فعندما يكون هناك نص تاريخي أو اجتماعي جيد ومخرج متواضع، فإن هذا الأخير يستطيع مع الممثلين أن يتكئ على النص ويخرج عملا جيدا.’
ويضيف: ‘لكن الأمر يختلف كليا في العمل الكوميدي، فيجب أن يكون هناك، إضافة إلى النص الجيد، مخرج جيد يستطيع التحكم بأدواته، إضافة إلى ممثلين خفيفي الظل، وهذا ما يفسر وجود أعمال كوميدية سيئة من حيث الإخراج والأداء، وهذا عائد للمخرج وسيطرته على مكامن ونقاط الضعف في العمل الكوميدي.’
ويستدرك: ‘هناك خط واهي بين السخرية والتهريج، وكلما اقتربت من الخط الواهي قبل التهريج كلما كانت السخرية جيدة، ولكن بلحظة صغيرة قد ينقطع هذا الخط وتتحول السخرية إلى تهريج، فيفقد العمل توازنه وهنا تكمن أهمية المخرج في المحافظة على هذا الخط كي لا يسقط عمله في هاوية التهريج.’
|