ما هي الأسباب الفعلية والخلفيات العميقة الكامنة خلف زيارة النائب سعد الحريري
العماد ميشال عون في منزله في الرابية، مساء أمس الأول، بعد ساعات قليلة على
انتخاب نبيه بري رئيساً للمجلس النيابي واستكمال هيئة مكتب المجلس الجديد؟
السؤال مطروح لدى المراقبين والمعنيين، خصوصاً ازاء عاملين اثنين كانا من
المفترض أن يؤديا منطقياً الى استبعاد حصول مثل هذه الزيارة: الأول يتمثل في
الخصام الانتخابي الذي تجسد بين عون والحريري في مراحل الانتخابات الأربع،
والذي ترافق وأعقب بسجال اعلامي ارتفعت حدته كثيراً في الأسبوعين الأخيرين من
الاستحقاق.
والعامل الثاني يتمثل في ما سمي فوز الحريري بأكثرية نيابية مقبولة، تسمح له
بالاتيان بسلطة تنفيذية موالية له وتكريس هذه الأكثرية في المجلس النيابي
الجديد عبر تحالف مع الكتلة الشيعية (حزب الله ـــ أمل) أعاد بري الى الرئاسة
الثانية، وجاء بنائب له من كتلة الحريري بالذات، ومن أصحاب الارتباط المهني
بالرئيس الراحل رفيق الحريري تحديداً، مع اجتياح للأكثرية نفسها لهيئة مكتب
المجلس بكامله.
دوافع الزيارة
ما الذي دفع سعد الحريري في ظل هذه المؤشرات ـــ الموازين، الى زيارة ميشال
عون؟
يسارع البعض الى الاجابة بأن الخطوة تبدو شكلية وفي سياق مبادرة النائب
الحريري الى رفع مسؤولية الطلاق عنه ورميها على عون، في موضوع تشكيل الحكومة
المقبلة. وبالتالي لكأن الغرض من الزيارة مماثل لما كان الهدف من التفاوض مع
الجنرال عشية انتخابات جبل لبنان والبقاع والشمال، أي دفعه الى الرفض، على
طريقة "لتطلع منه وليس منا".
غير أن المطلعين على أجواء اللقاء بين الرجلين يشيرون الى مناخات مغايرة
كلياً لأجواء تفاوضهما المباشر أو بواسطة معاونيهما عشية الانتخابات. وتعزز هذه
المناخات اشارات واضحة في الشكل، مثل مدة الزيارة اللافتة في وقتها الذي ناهز
الثلاث ساعات، والخلوة المطولة أيضاً التي تخللتها بين عون والحريري لوحدهما،
اضافة الى أجواء الانشراح التي أعقبت اللقاء، حتى ان بعض الصحافيين الحاضرين في
الرابية ذلك المساء، لاحظ أن أوساط عون لم تبلغ الاعلام مسبقاً بالزيارة
وموعدها، فيما الحريري جاء ومعه فريق عمل محطته التلفزيونية "المستقبل" ما أشر
مسبقاً الى نيته الخروج من الاجتماعات بايجابيات ما، كان خطط للاعلان عنها. كما
لاحظ الصحافيون أنفسهم أن الحريري بعد انتهاء الاجتماع خرج من الصالون ليتجه
نحو زاوية الصحافة في حديقة الرابية، قبل أن يعود مجدداً ليتحدث مع عون ثواني
قليلة، في ما بدا وكأنه تنسيق دقيق حول مضمون تصريحه أيضاً.
خلفيات أعمق
هذه التفاصيل وسواها من المعلومات والتحاليل تدفع الأوساط المطلعة الى الجزم
بأن لقاء الحريري بعون ليس قطعاً من باب رفع العتب ولا رفع المسؤولية ولا طبعاً
من باب الشكليات. وتؤكد هذه الأوساط ان ثمة أسباباً أعمق وخلفيات أكثر جوهرية
للخطوة، تلخصها بالآتي:
1 ـــ الواقع المسيحي في حقائقه الموضوعية: لقد بات من التكرار ونافل القول،
كما تؤكد الأوساط المطلعة نفسها، الاشارة الى أهمية "التطويب" البطريركي
المتكرر لزعامة عون المسيحية، وهو تطويب لم يمر من دون تأثير عميق في اقتناعات
فريق الحريري من جهة، كما الجهات الغربية المهتمة بالوضع اللبناني من جهة أخرى.
غير أن المستجد في هذا التكريس المتكرر، مؤشرات أخرى، كانت معروفة من قبل أوساط
الصرح، قبل أن يعلنها غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في أحاديث اعلامية
في اليومين الماضيين، وأهمها:
ـــ التشديد على زعامة عون المسيحية، مع رفض واضح لأي تشكيك بهذه الزعامة،
عبر اسنادها الى المبايعة الشعبية، كما رفض أي انتقاد لموقف بكركي من هذا
الموضوع عبر التساؤل البطريركي المستنكر: "وهل كنت أبالغ! أوليس هذا ما حصل!؟"،
وبالتالي اتجاه صفير الى حسم هذه المسألة وتكريسها نمط تعاط بين الموقفين، جسده
التنسيق الحاصل يوم أمس في موضوع استشارات التكليف والتأليف بين صفير ووفد
نيابي من الرابية.
ـــ تأكيد البطريرك في الوقت نفسه ان أياً من رجال الكنيسة لن يكون بعد
اليوم حاضراً في اجتماعات بعض الشخصيات السياسية المعروفة. لا بل ان رفع الغطاء
هذا ترافق مع انتقاد واضح لهؤلاء على خلفية مدى قربهم من بكركي. اذ غمز سيد
الصرح من قناتهم بالقول: "يقولون ما يريدون ويتصرفون كما يريدون"، مع ما في هذه
الاشارة من مرارة عميقة مرتبطة على ما يبدو بمرحلة التجاذب حول قانون
الانتخابات الشهير.
ـــ تعزيز الموقفين السابقين، أي تكريس عون ونزع الصفة عن الآخرين، بانتقاد
قد يكون الأول من نوعه الى القوى التي باتت تشكل الأكثرية النيابية اليوم، عبر
غمز صفير من قناتها أيضاً بالقول: "لقد كانوا يفاخرون بأنهم مؤيدون لسورية،
واليوم يفاخرون بالعكس".
هذه المستجدات في الموقف البطريركي تزامنت مع مؤشرات أخرى بالغة الدلالة حول
الواقع المسيحي نفسه، يمكن اختصارها بالصورتين المتبلورتين حيال انتخابات رئيس
المجلس. ففيما جمع عون قوى مثل كتلة النائب الياس سكاف وكتلة حزب الطاشناق
والنائب ميشال المر نفسه، مع كتلة "التيار الوطني الحر"، حول موقف موحد ومعلن
بالاقتراع بورقة بيضاء، أخفق من تبقى من نواب "القرنة" مع النائبة ستريدا جعجع
في الخروج بموقف واحد واضح، ما اضطرهم الى استلحاق المزاج المسيحي في شكل منفرد
والالتحاق بالموقف العوني اقتراعاً أبيض كذلك.
كلام منقول عن جعجع
مجمل هذه العوامل كانت تتفاعل لتبلور صورة للواقع المسيحي، لم يعد في امكان
أحد تجاهلها أو التعامي عنها لا في الداخل ولا في الخارج. غير أن ما عززها في
شكل مطلق على ما يبدو، ما بدأ يتكشف عن حقيقة موقف الدكتور سمير جعجع من
القضايا المطروحة، لجهة رفضه معاكسة البيئة المسيحية في اقتناعات أكثريتها
الساحقة، وهو ما تردد أنه عبر عنه أمام زواره منذ لقائه الأول في 14 أيار
الماضي، خصوصاً ما نقل من تأكيد جعجع لعون من أنه اذا كانت حشرة الوقت قد حالت
دون تحالفهما الانتخابي، فان تلاقيهما في المجلس النيابي سيكون محتوماً.
2 ـــ القراءة الحريرية للمكونات السياسية اللبنانية، تؤكد أوساط مطلعة
قريبة من تيار الحريري ان ثمة اعادة قراءة للواقع السياسي يجريها المعنيون في "تيار
المستقبل". ويعتبر هؤلاء ان خريطة الواقع السياسي السابق لانسحاب سورية من
لبنان سقطت نهائياً، وبالتالي فان امكان استثمارها دعائياً كما حصل أثناء
الانتخابات، لم يعد ممكناً بعدها، أو على الأقل فهو عامل متجه الى الانعدام في
المدى المنظور. كما أن خريطة 14 آذار الماضي، باتت بالتالي هي نفسها من الماضي،
أولاً لأن موضوعها قد انقضى بالانجاز بعد تحقق الجلاء السوري، وثانياً لأن ما
رافقها من جوانب شعبوية ليس غير عوامل مفهومة في سيكولوجيا الجماعات ومفهوم
زوالها أيضاً.
ثلاث كتل
وبالتالي ثمة من يقرأ في أوساط الحريري ان المكونات السياسية للمجتمع
اللبناني تتجه نحو قيام ثلاث كتل أساسية:
أ ـــ كتلة الحريري، والتي تضم فعلياً ما تبقى من مكونات "لقاء البريستول"،
بحريرييه وجنبلاطييه ومسيحييه. ويرجح هذا البعض ان تواجه هذه الكتلة لاحقاً بعض
الاشكالات الداخلية، من نوع تململ أعضائها المسيحيين نتيجة الضغط المتزايد
عليهم كما من نوع ارتقاب التقلبات المزاجية الجنبلاطية بعد فترة قصيرة، نتيجة
احساس نائب الشوف بضمور دوره في فترات الهدوء، وعدم تمكنه من ترجمة ما حققه
انتفاضياً على مستوى الدولة. وهو ما قد يؤدي قريباً الى "نتعات" جنبلاطية تنتقد
حلفاءه تماماً كما اعتادت علاقة سيد المختارة بالرئيس الراحل رفيق الحريري طيلة
الأعوام الاثني عشر الماضية.
ب ـــ كتلة المحور الشيعي: "حزب الله" ـــ حركة "أمل"، والتي ستتجه الى
امتصاص الأول للثاني، تماماً كما الامتصاص المنتظر من الحريري لجنبلاط، مع توقع
بعض النتوءات التي قد يشكلها رئيس المجلس نبيه بري، مماثلة لنتعات جنبلاط في
الكتلة الأولى.
ج ـــ كتلة مسيحية يرتقب أن تمتص "مجمل القوى"، حسب تعبير البطريرك صفير،
ويكون عمودها الفقري العماد عون نفسه.
واستناداً الى هذه القراءة المترددة في أوساط "المستقبل"، يستنتج البعض انه
سيكون من الوهم في المرحلة المقبلة الركون الى حلف ثنائي بين الحريري وجنبلاط
في مواجهة الكتلتين الأخريين، لأن ذلك سيعني عملياً انعزال تيار الحريري في
حدود كتلته المبتلعة الزعيم الدرزي، وبالتالي حشره في موقع الأقلية الوطنية،
وان كان يتمتع بالأكثرية النيابية.
كما انه سيكون من الخطر أو الدقيق جداً الرهان على حلف ثنائي بين الكتلة
الحريرية وبين كتلة "حزب الله ـــ أمل"، ذات الأرجحية الطاغية لمكونها الأول،
نظراً الى الموقف الدولي والغربي والأميركي من هذا التنظيم، ونظراً الى ذيول
القرار 1559 ومفاعيله التي لم تنته بعد.
وبالتالي تخلص القراءة المترددة في أوساط "المستقبل" الى ضرورة الربط مع
الكتلة المسيحية، عبر عمودها الفقري مباشرة، وذلك للأسباب المذكورة آنفاً كلها،
كما للكثير مما ينتج عنها ويستتبعها من خلاصات منطقية، وخصوصاً للأسباب
المتعلقة بالموقف الأميركي، كما تدركه هذه الأوساط، وكما يعرضه المطلعون في ما
يلي.
قراءة أميركية
3 ـــ القراءة الأميركية للواقع اللبناني: تزدحم الأفكار والنقاط في كلام
الأوساط المطلعة حول الموقف الأميركي من الوضع اللبناني اليوم، بين تاريخيته
الماضية وتطلعاته المرتبطة بالمنطقة وبين التطورات الراهنة. غير أن تبسيط
الكلام يقود في اللحظة الحاضرة بالذات الى ضبط مصلحتين اثنتين في السياسة
الأميركية في بيروت الآن، تشكلان في الوقت نفسه أولويتي هذه السياسة في لبنان
حالياً، وهما:
ـــ قيام نظام سياسي توافقي في العمق، لأسباب مختلفة يعرض عن تفصيلها
المطلعون اليوم. وفي مفهوم هذه التوافقية الجوهرية أن تشترك الجماعات اللبنانية
كافة، وبقواها الأكثر تمثيلاً، في السلطة الجديدة. وتؤكد هذه الأوساط ان لا
تحفظ لدى واشنطن على أي كان حيال تطبيق هذا المبدأ. فمن الجهة المسيحية يدأب
المسؤولون الأميركيون على التكرار بجدية واصرار، انهم لن يقبلوا للمسيحيين
الذين ناضلوا لاخراج سورية من لبنان، بالاحساس انهم هزموا بعدها أو خسروا، ومن
الجهة الأخرى بدأ الكلام الأميركي يخرج الى العلن حول تشجيع واشنطن على مشاركة
جميع القوى الاسلامية في سلطة بلدانها ومجتمعاتها، على أن يكون ذلك في اطار
الديمقراطية الليبرالية التي يرعاها المجتمع الدولي. وبالتالي، تبدو هذه
المصلحة الأميركية الأولى في لبنان اليوم متمركزة حول الحضور المسيحي الفعلي
والكامل في السلطة التي ستقوم في بيروت بعد جلاء الجيش السوري.
ـــ أما الأولوية الأميركية الثانية فباتت تتمثل في ضبط الوضع الأمني،
خصوصاً بعد التطورات الأخيرة. وهي أولوية قيل انها تقدمت في السلم الأميركي على
ما عداها من الشعارات والأهداف المعلنة: من الوضع المالي الى محاربة الفساد
ومصير رئاسة الجمهورية وحتى مصير سلاح "حزب الله". ذلك أن الأمن هو الشرط الأول
والضروري لمقاربة الملفات الأخرى، والتي يستحيل التعاطي معها ما لم تتأمن
المعالجة المطلوبة للوضع الأمني.
وتلاحظ الأوساط المطلعة، ان الأولويتين الأميركيتين المذكورتين، تلتقيان
اليوم عند ميشال عون. فالمشاركة المسيحية باتت مقترنة بانضمامه الى الحكم
المقبل والورقة الأمنية تتجمع الى حد كبير لديه، في اطار أي تصور لأدوار
المشاركين في الحكومة العتيدة. ذلك أن موقع عون السابق وواقعه المعروف، يجعلانه
الوحيد المؤهل لضبط الوضع الأمني، مجيباً في آن واحد على التحديين الأولويين
لسياسة واشنطن في بيروت اليوم.
لكل هذه الأسباب، المدرك منها وغير المدرك، المعلن منها والمضمر، زار النائب
الحريري زميله النائب عون مساء أمس الأول، بعد مصافحة حارة ولافتة بينهما في
المجلس النيابي قبل الظهر. لتبقى الأسئلة المماثلة في أهميتها: ماذا بعد
الزيارة؟ وما هي نتائجها؟ وكيف ستترجم اعتباراً من استشارات التكليف هذا اليوم؟ |