بدا الجنرال ميشال عون الذي يتزعم «التيار الوطني
اللبناني الحر» متيقناً من قرب الانسحاب السوري الكامل من لبنان، رافضاً من
منفاه الباريسي بعض أطروحات المعارضة القاضية ببقاء بعض هذه القوات في منطقة البقاع.
وبينما كان الجنرال يتفاخر بصناعته للقرار الدولي 1559 مدعوماً من الولايات
المتحدة التي وضع علاقاته معها في الاطار المصلحي، قال ان علاقاته مع المعارض
الدرزي وليد جنبلاط إلى تحسن مع ضرورة تصفية الملفات العالقة.
غير أن اللافت في الحوار التالي مع ميشال عون كان عدم استبعاده علاقات
إيجابية مع حزب الله:
ـ لماذا كان حضوركم في لقاء المعارضة اللبنانية الأخير في «البريستول»
هامشياً إلى حد ما؟
ـ لم ندع إلى هذا اللقاء إلا في اللحظات الأخيرة، وعندما سألنا عن السبب،
قالوا: إن سقفنا السياسي مرتفع جداً، ولا يريدون أن يلزموا أنفسهم بهذا المعنى،
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تجاهلونا مرة ثانية داخل كواليس المؤتمر
وانهماكهم باصدار البيان الختامي.
ـ كيف تقيم هذا اللقاء؟
ـ نحن نؤيد هذه الخطوة ولو كانت أقل مما كنا نطمح إليه، واعتراضي على قبولهم
باستمرار وجود الجيش السوري في سهل البقاع اللبناني فهذه مسألة غير قابلة
للنقاش، لأنها تبقينا في نفس الورطة، فالسيادة والاستقلال ليسا من الأمور
القابلة للمناورة.
أو أنهما لا يتحملان الغموض الذي يتحلى به بعض من الذين اجتمعوا في
«البريستول» وأنا أسألهم من منبر «البيان» من منهم يستطيع أن يضمن لنا تكملة
الانسحاب الكامل، وهل السيادة قابلة للتجزئة أو للتمرحل، وخاصة في وجود حكومة
غير قادرة على خوض مفاوضات مع الحكم السوري حول الانسحاب، لأن قرارها ليس
موجوداً في يدها، والجميع يعرف هذا الأمر ويتغاضى عنه.
ـ أتقصد حكومة عمر كرامي، وماذا عن حكومات رفيق الحريري التي تعاقبت على مدى
سنوات؟
ـ أقصد كل الحكومات اللبنانية التي تعاقبت على الحكم، منذ أن سيطر الحكم
السوري على كل القرار اللبناني منذ التسعينات، وكنتيجة طبيعية لتحالف سوريا مع
الولايات المتحدة آنذاك بما يخص تحرير الكويت، فكان أن دفعنا الثمن الباهظ،
فمقابل الموقف السوري كان لبنان جائزة ترضية له، فأطلقت يده يعين الرؤساء في كل
مؤسسات الدولة، ولم يترك لنا أي شيء على الاطلاق، ففي سوريا تصنع السياسة
اللبنانية.
ـ البعض من الموالين للسلطة يرون في كلامك عن سوريا بأنه سعي إلى إخراج
لبنان من محيطه العربي؟
ـ لا يستطيع لبنان أن يكون خارج محيطه العربي، ولا ولن أسعى إلى ذلك على
الاطلاق، وعلى العكس أريد للبنان أن يكون في أحسن علاقة مع العالم العربي عامة
ومع سوريا على وجه الخصوص.
ولكنني أريد بلدي أن يكون سيداً حراً ومستقلاً في شئونه الادارية والسياسية
جميعها، ويجب أن يكون لبنان كما غيره من الدول العربية يتمتع بكامل حقوقه، فلا
هيمنة لدولة على أخرى، ولا إلغاء لحقوقنا الوطنية المشروعة.
ـ هل سوريا تلغي دور لبنان؟
ـ بالطبع إنها تحاول ذلك، وهذا أمر معروف من القاصي والداني، ففي الأمس صرح
وزير خارجية سوريا، أن الانسحاب من لبنان يرتبط بموضوع التسوية مع اسرائيل،
وكان يجيب نظيره الاسرائيلي الذي اعتبر أن الانسحاب من لبنان أول الشروط للعودة
إلى طاولة المفاوضات مع سوريا.
وهذا يفسر لنا أن سوريا تأخذ لبنان رهينة بيدها لتحقيق مصالحها على حساب
مصالح لبنان، وأنا أسأل الوزير السوري أين الأخوة والصداقة، كيف تأخذون الأخ
الأصغر رهينة في يدكم، وهل يعقل أن يفعل الأخ العربي مع أخيه ما تفعلونه معنا؟
ـ هناك أقاويل عن مبادرة من الحكم اللبناني من أجل طي ملفك القضائي وعودتك
إلى الوطن ما صحته؟
ـ ليس من مبادرة حقيقية قائمة سوى أقاويل كما سميتها أنت، فأنا أسمعها من
أجهزة الاعلام، لكن السلطة اللبنانية اليوم تحترف اطلاق هذه الشائعات من أجل
تنفيس الشارع الداخلي والتغطية على فشلهم في تحقيق المصالحة الوطنية بالاضافة
إلى انهم يرافقون هذه الخدع الاعلامية مع الضغوط بفتح ملفات قضائية كاذبة،
ويدخلون في وهم كبير بأن هذا سوف يجنبهم مواجهة لحظة الحقيقة الآتية لا محالة.
ـ ألا يمكن لهذه الضغوط أن تؤثر عليك وتدعك تتراجع إلى حد ما؟
ـ لقد مورست عليّ هذه الضغوط منذ أمدٍ بعيد ولم أتراجع، لقد مارسته عليَّ
أكثر من جهة قبل الخروج من لبنان وبعده، والنتيجة واحدة، لم يحصل أي شيء، فأنا
لا ألعب على حساب الثوابت الأساسية.
ـ من تعني بممارسات الضغوط عليك، الولايات المتحدة مثلاً؟
ـ الولايات المتحدة مارست ضغوطاً في السابق، اليوم الأمر مختلف، والمهم أن
هذه الضغوط لم تتحقق غاياتها، فما زلنا على مواقفنا دون أدنى تراجع.
ـ هل ما زلت على موقفك من اتفاق الطائف أم هناك شيء من التعديل؟
ـ عندما رفضت «الطائف» رفضته بثقة السياسي ولم أرفض الشق المتعلق بالاصلاحات
السياسية والاجتماعية تحفظي عليها، لأنني أرى فيها إصلاحاً بقدر ما هي عملية
توزيع للحصص بمنظار جديد من ضمن تركيب طائفية.
وأنا ضد نظام المحاصصة الطائفية، ولكن إذا كانت إرادة الشعب في هذه المرحلة
على هذا النحو فلا مانع عندي بقصد تعديل هذا الأمر مستقبلاً، ويبقى الشق الأول
من الاتفاق الذي يتعلق بانسحاب الجيش السوري إلى البقاع فهذا ما أرفضه ورفضته
حينها، لأننا إذا قبلنا بهذا سوف نكون قد خنا أنفسنا.
ـ لكنك حين وقع الاتفاق رفضته بمجمله، بالاضافة إلى رفضك الاعتراف بنتائجه،
واليوم تدخل إلى حلبة الانتخابات تحت سقف الطائف، وكأنك اعترفت بالسلطة التي
انتهجها الطائف.
ـ مقاطعة الانتخابات في حينه كانت بحكم الأمر الواقع، والعودة عنها اليوم
تأتي في نفس الاطار، فخلال العام 2002 صدر القرار الخاص باعادة سيادة لبنان إلى
اللبنانيين، وهذا لا يلغي أن كل الانتخابات التي قامت بظل الاحتلال بأنها غير
شرعية.
وهذا ليس اعترافاً بالحكم في لبنان أبداً، وبالنسبة لانتخابات البلدية التي
شاركنا بها لم يكن الأمر سياسياً، فالموضوع يرتبط بالمسائل الخدماتية فقط، ولا
نريد أن نحرم مناصري التيار الوطني من هذا الأمر، فهناك مناطق كثيرة تؤيد
توجهاتنا وهي محرومة من الكثير من القضايا الخدماتية، فليس من المنطق أن نرفض
الأمر من دون ان نتفهمه ونتفهم مصالح الناس.
ـ كيف تقيم العلاقة بينك وبين وليد جنبلاط اليوم؟
ـ حالياً العلاقة جيدة، ولكن هذا لا يلغي الماضي، وما حدث في السابق، فهناك
عدة أمور يلزمها توضيحات حول الكثير من المسائل وخاصة تلك التي تخص إدارة
مؤسسات الدولة، ولكن الآن هناك أولويات وهي تحرير الوطن واستعادة السيادة.
ـ وماذا عن علاقتكم بحزب الله؟
ـ أنا من المؤمنين أن اللبنانيين إذا ما تركوا وحدهم لديهم القدرة على
المصارحة والمصالحة ويستطيعون أن يصلوا إلى نتيجة جيدة ولم تصل الأمور إلى حد
التحالف بيننا وبين الحزب، ولكن الأمور تسير نحو الأحسن مما كانت عليه، وحزب
الله لديه قاعدة شعبية، وهو حزب لبناني بغض النظر عن تحالفه مع النظام السوري،
الذي استطيع أن أتفهم ظروفه وأسبابه دون أن أقبل به.
ـ كيف ستخوضون الانتخابات النيابية المقبلة؟
ـ علينا أولاً أن ننتظر قانون الانتخابات الذي سيصدر مع انني أؤيد تأجيل
الانتخابات، إلى حين الانسحاب السوري الكامل وعودة السيادة.
ـ إذا ما تم اختيار قانون النسبية في الانتخابات هل ستترشح؟
ـ بالطبع وسوف أترأس لائحة مكتملة تمثل كل لبنان.
ـ مع تحالفات أو بدونها؟
ـ إذا كان القانون نسبياً فسنخوضها بلائحة للتيار فقط، وإذا لم تكن النسبية
هي المعتمدة، فعندها سندرس امكانية التحالفات مع من وكيف؟
صناعة القرار 1559
ـ ما هو موقفك من قرار مجلس الأمن 1559؟
ـ هذا القرار يقضي بانسحاب الجيش السوري من لبنان، وهذا ما ناضلنا لأجله على
مدى سنوات، ولا ادعي حين أقول أننا كتيار وطني ممن صنعوا هذا القرار منذ لحظته
الأولى، ولا شك أنه كان يصعب علينا صناعة هذا القرار لولا دعم الولايات
المتحدة، لأنها قوة دولية كبيرة، ولا يمكن لمجلس الأمن أن يتخذ أي قرار دون
الرجوع إليها.
ـ وهل مساعدة الولايات المتحدة للبنان دون ثمن؟
ـ تستطيع أن تعتبره لقاء مصالح، وهذا ما حصل بين النظام في سوريا والولايات
المتحدة أثناء حرب الخليج الثانية وكان الثمن لبنان آنذاك.
ـ هل ترى جدية بتنفيذ هذا القرار من قبل الولايات المتحدة، وهي التي خذلتك
مراراً؟
ـ ليس لدي شك بأن الانسحاب السوري من لبنان سيحصل قريباً جداً، فنحن أقرب
إلى هذا الأمر أكثر من أي وقت مضى، فالتغيير المطلوب باتجاه الديمقراطية في
المنطقة ليس مزحاً أو هزاراً، لأن العالم الحر اليوم يواجه مشكلة الارهاب التي
تقض مضجعه، وهم يعرفون أن الارهاب من رحم الأنظمة الشمولية والديكتاتورية
والمتخلفة بشكل عام، لذلك ثقتي كبيرة بتنفيذ هذا القرار بالقريب العاجل.
ـ هل لديك معلومات مؤكدة أم انك تعتمد على التحليل فقط؟
ـ لدي معلومات أشبه بيقين من خلال اتصالاتي وعلاقاتي بالجهات المسؤولة عن
هذا الأمر.
ـ برأيك ألا تشعر سوريا بجدية الموضوع؟
ـ لا أعرف حتى الآن بماذا يفكر النظام السوري، ولا أعتقد أن أي احد يستطيع
أن يعرف كيف يفكرون في سوريا، فهم دائماً يدخلونك في دهاليز فيها كل شيء الا
الوضوح، وأتمنى أنهم يدركون ان المسألة جدية، وعليهم أن يتصرفوا على هذا
الأساس، فالاكتفاء بالمناورات لن ينفع أحداً، ولذلك عليهم أيضاً أن يبادروا إلى
الانسحاب من لبنان على وجه السرعة.
|