أدار الندوة الصحافي حبيب يونس، شارك فيها الأستاذ
غبريال المر والصحافي فارس خشان
أحييكم في هذا اللقاء،
آخر لقاء لي معكم كان سنة 2001، وعلى أثره حصلت مجزرة الحريات التي عانى منها
الكثيرون بينكم، وأوقِفوا يومها، ولكنها كانت حلقة مهمة في تاريخ لبنان، وفي
تاريخ التيار الوطني الحرّ؛; انطلاقاً منها أكملنا المسيرة وأكملنا جهادنا في الداخل
وفي الخارج حتى توصّلنا إلى وضع دولي أقرّ لنا بأحقية قضيتنا، واعترف بالخطأ،
وهو الآن يصححه.
بالأمس، وفي مؤتمر صحفي طلبت من اللبنانيين أن يجاهروا بموقفهم في مساندة
قرار مجلس الأمن 1559 لأنه أعادهم إلى موقعهم السليم بين أمم العالم، وجامعة الدول
العربية. طبعاً اللقاء الصحفي لم يُنشر كالعادة، بل اجتُزئ وأحياناً بنية سيئة
أو بالأحرى بنية تحريضية، والحديث المجتزأ لا يشفي الغليل، لأنه قيلت فيه أمور
كثيرة وشُرحت بإيجابية وواقعية.
لم نبخّر لأحد، ولم نهاجم أحداً، وضعنا كل شيء في موقعه، واليوم لا أريد أن
أعظ، ولكنني أحب أن أجيب على أسئلتكم التي تدل على توقكم لمعرفة الوقائع الحقيقيّة
لما يجري في العالم، عندما يتكلم معي اللبنانيون أشعر وكأنهم أسرى خطاب مفروض
عليهم، لا يستطيعون أن يتخيلوا غيره، فهم لا يستطيعون أن يتخيلوا أن لبنان خرج
من الشرنقة التي وضعوه فيها، خرج من السجن.
أريد أن يشعر اللبنانيون بأنهم لم يعودوا رهائن، وأن يتحرّروا من ذهنية
الرهينة المستحكمة بهم. المطلوب أن تعودوا إلى حسكم النقدي وأن تميّزوا بين
الصح والخطأ لأن العملاء منتشرين في كل مكان كي يقولوا لكم "شو بدكن فيهم هيدي
صفقة"، لا، لا يوجد صفقة.
منذ ثلاث سنوات وأنا أصارع الرأي العام اللبناني والإعلام اللبناني
والسياسيين اللبنانيين، السوريون يسيطرون على هذه البوتقة ويريدون إقناعكم بأنه
لا يوجد شيء دولياً، وإن هناك صفقات، وإن لبنان هو ورقة ضغط بيد أميركا، بينما
الواقع يقول إن أميركا ليست بحاجة إلى لبنان لتضغط، فلديها كل الوسائل الاقتصادية
والعسكرية والأحلاف الدولية كي تضغط بواسطتها، لبنان ليس شيئاً في ميزان القوى
كي يكون ورقة ضغط بيد أميركا، تذكروا أن أميركا عاكست تقريباً كل حلفائها في
أوروبا والصين والعالم الإسلامي ونزلت في العراق، تجربة قد يعتبرها البعض فاشلة
والبعض الآخر ناجحة هذا موضوع آخر، ولكن أميركا لديها القدرة على تنفيذ سياستها
مباشرة من دون أن تستعمل الضغط اللبناني، فلبنان لا يغير في ميزان القوى، حتى
ولو كان كله مع سوريا فهو لن يؤثر حتى يكون ورقة ضغط.في البداية قالوا لكم إن
لبنان ليس مهماً عند أميركا وأنا أقول لكم بلى، إنه مهمّ عندها لأنه يشكل
نموذجاُ للتجربة الديمقراطية التي تسعى لها أميركا في الشرق الأوسط، وصدقوا بأن
أميركا تسعى إلى الديمقراطية فعلاً في الشرق الأوسط. لطالما صارعت الناس
والسياسيين والصحافيين وكانوا دائماً يشككون ويسألون هل تصدق وكيف… وكأنهم
هامشيون يرفضون أن يتعاطوا مع الآخرين ويعتبرونهم كذابين ومتآمرين، والمؤامرة
الحقيقية هي أن الشعب اللبناني وصل إلى هذه الحال بسبب الخطاب الأيديولوجي الذي
فرضته علينا سوريا بالرغم من وجود الكثير من الإعلاميين الأحرار الذين يناضلون
ضمن الإمكانيات الموجودة لديهم لأنهم هم أيضاً قطعوا مرحلة كبيرة ضمن الخطر
الموجود عليهم وعلى معيشتهم، وللأسف فإن المجتمع المخابراتي غذّى كثيراً ذهنية
الإذعان والقبول بالأمر الواقع.
أسئلة المشاركين في الندوة والحضور
- فارس خشان : الشيطان يكمن بالتفاصيل، القرار 1559 يمكن أن يعطي كل
المفاعيل التي تتأملون بها، ولكن كيف يواكب اللبنانيون هذا القرار وكيف يمكن
للمعارضة أن تواكب هذا القرار وهي ألوان معارضات مختلفة تعتمد عدة أدوات فهل
تضيع المعارضة فرصة جديدة بالانقسام حول نفسها، وما هو مشروعك لتوحيد هذه
المعارضة خاصة أن التيار يعتبر أنه أبو القرار 1559؟
لغاية الآن لم يتجرأ أحد تقريباً ليؤيد هذا القرار ، تأييد القرار هو تأييد
للحق الوطني، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن مجلس الأمن الدولي سيجتمع بعد
شهر ولم يسمع بعد أحدٌ من المعنيين بالأمر رأي اللبنانيين صراحة وبصوت عال إنهم
مع هذا القرار، ليس المطلوب منهم آلية تنفيذ، ولكن مطلوب منهم تأييده وهذا أضعف
الإيمان، آلية التنفيذ موجودة في مجلس الأمن، وكذلك في القرار، ولكن على
اللبنانيين إظهار موقفهم من هذا القرار على الأقل.
لبنان شعب أسير، وقد أُعلن ذلك في التوصية التي صدرت عن مجلس النواب
الأميركي والتي تدين سوريا من ناحية حقوق الإنسان، تماماً كما كانت فرنسا في ظل
الحكم النازي، ويحق لمجلس الأمن أن يضع يده على القضية لأن الكلمة السحرية التي
تقول بأنه يحب على سوريا أن تخرج من لبنان لم تصدر بعد ولا عن أي هيئة، يتكلمون
بالمواربة عن السيادة الوطنية، هذا إذا تكلموا، أما البقية فهم ضد التمديد،
وأصبح الصراع داخلياً على إميل لحود هل يمدد أم لا وهل يعدل الدستور أم لا،
مشكلة تعديل الدستور والتمديد للرئيس الحالي هي نتيجة وليست سببا، هي نتيجة وضع
اليد السورية على لبنان والدور السوري المعطل للإرادة اللبنانية، يجب أن يتمكّن
اللبنانيون من التعبير عن هذا الواقع، فليطمئنوا " ما حدا رح ياكلهم "، لقد
أصبحوا تحت حماية المظلة الدولية، ولكن أخشى ما أخشاه أن يكون البعض، وفي
التفاصيل، متورطين في حلول جزئية ولا يتجرأون على الخروج أبعد منها. نحن نريد
الحل الشامل، أولاً بموقف المعارضة ، ثم بتجنيد شعبها بالقرب منها وعدم تهميشه؛;
الشعب له دور، وإذا طُلب منه أن ينزل إلى الشارع ويعبّر فيجب أن ينزل. عندما
جاء قداسة البابا إلى لبنان نزل نصف مليون لبناني إلى الشارع وصرخوا ً liberté
liberté " فلماذا لا ينزلون الآن؟! لو كان هناك قيادات فاعلة في المعارضة لكان
الشعب قد نزل إلى الشارع، هذا هو المطلوب من المعارضة، أن ينرلوا مع نصف مليون
على الأقل ويعبّروا عن رأيهم.
- حبيب يونس: كيف يمكن للسلطة الحالية أن لا تكون هي المستفيدة من القرار
1559 في غياب أي موقف فاعل للمعارضة يملأ الساحة، فهذه السلطة التي استفادت من
كل شيء سابق، لديها الأساليب أن تتمكن من الإلتفاف والإستفادة من هذا القرار؟
لا مجال للسلطة الحالية أن تستفيد إطلاقاً مهما كان الوضع والمستقبل القريب
أو البعيد، لأنه، ومنذ عام 1990، ووفقاً للقوانين والأعراف الدولية، قام في
لبنان حكم قانوني ولكنه لم يكن شرعياً "légal mais pas légitime " الآن، وبعد
قرار مجلس الأمن لم يعد لا شرعياً ولا قانونياً، ولا يمكن التعامل معه على
المستوى الدولي، ولذلك ليس له أي حظ أن يكون في موقع المستفيد.
- فارس خشان: نحن لا نتكلم فقط عن الرئيس لحود بل عن كل المنظومة الموجودة
في السلطة، فإذا لم تكن هناك معارضة قادرة أن توحد نفسها فلماذا لا تستفيد
السلطة من التطور البطيء الذي سيحصل دولياً وتقوم هي بدورها بإنقلاب بطيء؟
لن يحصل هذا التطور البطيء ولكن هناك طبقة سياسية ستخسر دورها نهائياً
داخلياً وخارجياً لأن المعارضة الحالية سيُستعنى نهائياً وتُستبدل بطبقة سياسية
جديدة لأن لبنان ليس منعزلاً عن تطورات الشرق الأوسط وهو سيكون النموذج
للديموقراطية وللتطور الديموقراطي. هذه المعارضة تخسر دورها، هذا إذا لم تكن قد
خسرته بعد، بعد مرحلة الإنهيار والتفكك التي وصلت إليها، فما هي هذه المعارضة
التي لا تتجرأ وتقول أنني أريد سيادتي واستقلالي بشكل واضح، وتواكب قرار أعلى
سلطة دولية شرعية!! هذا الكلام يجب أن يكون مفهوماً من قبل الجميع، أنا أنبههم
كي يعوا ويسيروا في هذا الموضوع، وليس لأخذ مكانهم كما يعتقد البعض.
- حبيب يونس: مطلبك للجميع بأن يعلنوا تأييدهم للقرار 1559 سيجعلك تخوض
معركة بمفردك في الوقت الذي يفتش فيه الآخرون على إنشاء معارضة لمعارضة السلطة
الحالية ومفاعيل التمديد لا أكثر ولا أقل، فكيف سيكون موقفك؟
عندما تصل القضية اللبنانية إلى أعلى مرجعية دولية، وعندما يحصل هذا السباق
بين التمديد ومجلس الأمن كي يكون هناك مخالفة لقرار المجلس إذا تم التمديد،
فهذا يعني أن المسألة أكثر من جدية ولا يمكن أخذها بخفة. في مجلس الأمن لا
يتسلون، ولا في الولايات المتحدة، فهي لم تعمل على هذا القرار كي تتحول إلى
مهزلة إذا لم ينفذ، هم لا يعرفون مع من يلعبون، يلعبون مع الاستراتيجية
الجديدة، فلا يجب أن ينسخوا ال 50 سنة التي مرت بعد الحرب العالمية الثانية،
هناك 50 سنة قادمة بهذه الاستراتيجية الجديدة، فإذا فهموها يفهمون أنهم يسيرون
على طريق جهنم، وأنا أنبههم على هذا الموضوع كي لا يدخلوا فيه، لأنني بالنتيجة
لبناني وهم لبنانيون، بصرف النظر عن الصراع والتنافس في سبيل السلطة الداخلية،
هناك وطن سيُنقذ… أنا أخالف الكثيرين، ولدي حسابات مع الكثيرين، ولكن هذه
الأمور لا يجب أن تدخل في الحسبان حالياً، هم مدعوون أن يفهموا هذا الموقف
ويكون لهم في استحقاق عودة استقلال وسيادة لبنان، فأنا لا أريد احتكار الموقف
لذاتي، يأتون دائماً متخلفين محطة أو محطتين على الأقل إن لم نقل سنوات.
- ذكرت بعض الصحف اليوم أنك انتقدت قرنة شهوان وبيان المطارنة ووليد جنبلاط،
وحتى أن البعض فسر ما ذكرته عن رسالتك إلى جايمس بايكر بأنه تنازلات من أجل
مصلحتك؟
مشكلتي مع بعض الصحافة أنها لا تنقل ما أقوله بل يفسرون النوايا، عندما
سُئلت عن بيان المطارنة قلت إنه لم يدهشني لأنه خطابي منذ 15 سنة، فأهلاً بهم
لأنهم انضموا إلى خطابنا الوطني، فأين الهجوم في هذا القول أو هل فيه شيء مغاير
للواقع، ثم أريد أن أذكر أن الآلاف من اللبنانيين ومن التيار الوطني الحر، وقبل
بيان المطارنة عام 200، دفعوا الثمن واعتُقلوا حتى وصلنا إلى حرية الكلمة التي
نمارسها اليوم، هؤلاء حرروا لبنان وأوصلوا الخطاب السياسي إلى هذه المرحلة، فلا
يجوز تصوير المسألة وكأنها حدثت بخطاب واحد، هناك أشخاص لهم استحقاقات وحقوق
على الرأي العام اللبناني ولهم أيضاً حق التكريم لأنهم دفعوا، وهناك تجاهل كبير
لهم وتنكّر.
أما بالنسبة لوليد جنبلاط فقد سُئلت عن الجبهة الداخلية التي يؤلفها مع نسيب
لحود فقلت إنني لست معنياً بما يقومون به داخلياً، أنا معني بإخراج القوات
السورية من لبنان وبعد ذلك "منحكي سياسة"، فهل أكون هاجمتهم إذا كان عندي رأي
يختلف عن رأيهم؟! هناك صحف وإعلاميين يبحثون عن الفتنة ويستنتجون عناوين، وهذه
ليست المرة الأولى.
ولقد اتهموني أيضاً بأنني هدّدت ولم أفهم كيف، لقد قلت إن الرأي العام
سيحاسبهم، فهل أنا الرأي العام؟
أما بالنسبة للعلاقة مع السوريين فقد عرضت عليهم علاقات حسن الجوار لأثبت
لهم أننا لسنا أعداءهم، وكل الدول المتلاصقة يوجد بينها علاقات خاصة في
الاقتصاد والتنقل، ولكن المضمون الحالي للعلاقات اللبنانية السورية هو مضمون
استعماري، وأكثر من ذلك هناك الفكرة الدمجية.
شخصياً لا أريد شيئاً من اللبنانيين، لقد أنجزت المهمة الملقاة على عاتقي
ومن دون مساعدة، إلا مساعدة الذين ضحّوا معي في لبنان وفي الخارج.
- حبيب يونس: لقد قلت بأنك لا تريد شيئاً لنفسك، فمن سيكون الجامع للجميع؟
أنا لن أعرض نفسي، وعندما يتحرر لبنان أشعر أنني اكتفيت، أما إذا أرادني
اللبنانيون فأنا موجود وحاضر ولن أتهرب من المسؤولية، أعتبر أنني وصلت إلى
القمة التي أريدها من خلال تحرير لبنان، ولكن إذا أراد اللبنانيون تكليفي فأنا
جاهز، ولكني لن أعرض نفسي ولن أناقش في الموضوع مع أحد.
- مع الضغط الدولي على سوريا ألا يُخشى أن تحرك عملاءها في الداخل لتحويل
الوضع إلى بؤر أمنية؟
إن الذي اتخذوا في مجلس الأمن قراراً بحقه كي ينسحب من لبنان لن يعطوه حرية
التصرف كي يتمكن بعد من القيام بحرتقات.. النظام السوري يواجه اليوم قوى دولية،
ولسنا في أجواء السبعينات، في مرحلة تقويض الاستقرار في لبنان، المجتمع الدولي
جدي في معالجة الوضع اللبناني، فلا تخافوا، أولاً لأن اللبنانيين، على ما
أعتقد، قد بلغوا سن الرشد، فمهما تكن مواقفهم السياسية سيتعاطون بواقعية مع
الوضع القائم، وثانياً، لا أحد بإمكانه أن يقوم بحرب أهلية ولا أحد يمكنه أن
يغذيها، فلا يوجد تمويل ولا سلاح ولا ذخيرة، مع التأكيد أنه لا يوجد نوايا
عدوانية بين اللبنانيين، لأن لا أحد يمكنه احتلال أحد ولا أحد يمكنه إنهاء أحد،
الحل الوحيد في لبنان هو الحل التوافقي السلمي.
في المرحلة القادمة أنت حر في لبنان أن تأخذ الهوية السياسية التي تريدها،
ولكنك لم تعد حراً أن تحمل السلاح على هواك أو أن تمد يدك على جارك، الحريات
مصانة ولكن ضمن احترام حق الغير وعدم الاعتداء عليه مادياً ومعنوياً وجسدياً،
هذه هي الحقوق الأساسية التي سيقوم عليها لبنان في المستقبل القريب جداً
فساهموا به تعجلون في بنائه، ولا تغرقوا في الترقب والانتظار.
- إلى أي مدى تتأمل خيراً في مواقف المعارضة التي لا تزال تصب إما في بعبدا
أو في قريطم إن لم يكن في الشام، وهل ترى أن أساليبهم تتطابق مع الهدف الأساسي
الذي هو تحرير لبنان وكلنا نعرف موقفهم في رفض قانون محاسبة سوريا واستعادة
سيادة لبنان، وعدم تبنيهم لقرار مجلس الأمن 1559؟
المواطن اللبناني اليوم يرى في الإعلام مواقف ضد التمديد ومواقف ضد التجديد
ومواقف لتغيير الحكومة ومواقف لإخراج إنسان من السجن أو عودة آخر من المنفى…
كل هذه المشاهد ليست من ضمن خطابي السياسي رغم أن الموضوع يتعلق بي شخصياً،
حقوقي مع الدولة هي بملايين الدولارات وأنا مستغني عنها، لقد حاولوا حتى أن
يفاوضوني عليها فقلت لهم بأموال الآخرين لم أقبل الرشوة فلن أرتشي بحقوقي.
إذاً، لا تزال المطالبة دون المستوى وأنا أدعو اللبنانيين إلى رفعها إلى
مستوى الخطاب الوطني، فسواء اختلفنا أو اتفقنا على السياسة فالخلاف هو أساس
الديمقراطية، ولكن الاختلاف على مستوى مقومات الوطن يلغي الوطن، اليوم في لبنان
لا يوجد سياسة لأنه لا يوجد وطن، هناك أزلام يلحقون ضابط مخابرات سوري كي يصلوا
إلى مناصب نيابية أو وزارية ومن يخرج عن هذه القاعدة يصبح مغضوباً عليه، يجب
الخروج من هذه الذهنية كي تصبح حقوق كل مواطن مصانة ضمن غطاء القوانين
اللبنانية، الصورة الحالية غير مرضية على المستوى الوطني، أن يكون وطن فهذا
يعني أن تكون له سيادة واستقلال ومؤسسات، لا أن تسمع من يقول "إن انتخاب الرئيس
هو شأن سوري.. ويجب أن نرى في هذه المرحلة من يوافق المصالح السورية والرغبة
السورية…." نحن إذاً مستعمرة أو مزرعة.
هذا الخطاب يجب أن يسقط كي يكون هناك معارضة سليمة وعلى مستوى سليم، لا يهم
أي فريق يستعمل هذا الخطاب وإذا كان مسيحياً أو مسلماً، أنا لا أنتقده بسبب
مذهبية من يقوله، أنتقده بالمطلق لأنه ليس خطاباً وطنياً، الخطاب الوطني يقضي
بأن ندافع جميعاً عن الوطنيات بصرف النظر عن ميولنا السياسية.
ولن أطمئن إلى الوضع اللبناني إلا عندما أرى جميع اللبنانيين وقد التزموا
بالثوابت الوطنية.
- هل يقبل الجنرال أن يمثل التيار في حكومة وحدة وطنية إذا طرح الرئيس لحود
ذلك؟
عندما أقول إن الحكم كان قانونياً ولكنه لم يكن شرعياً، وهو اليوم أصبح غير
قانوني وغير شرعي فهل تطرح علي سؤال هل أشارك في الحكم في ظل الاحتلال السوري؟
- ألم يكن من الأفضل والأسرع أن يطلب السفير الأميركي مباشرة من السوريين
الخروج من لبنان؟ وهل كانت سوريا لتعارض الإرادة الأميركية؟
الولايات المتحدة لا تريد أن تدخل في صراع منفرد مع سوريا، هي تطبق قرار
دولي أخذ بالإجماع عام 82، ولذلك لم تعارض القرار أي دولة، وتنفيذه ليس فقط
مصلحة أميركية، هو يعيد الهيبة إلى الأمم المتحدة والشرعية الدولية، ولو كانت
الولايات المتحدة على رأس المشروع فمن الأفضل بكثير أن نكون مدينين للشرعية
الدولية في عودة السيادة والاستقلال من أن نكون مدينين لدولة واحدة.
- ما هي الضمانة بأن الولايات المتحدة ستطبق هذا القرار لأننا نشك في
نواياها ونخشى أن نصل إلى نصف الطريق وتتركنا؟
الولايات المتحدة هي الدولة العظمى التي لها تأثير على المجتمع الدولي، وهي
كانت طليعية في دعوة مجلس الأمن مع فرنسا.
في لبنان دائماً هناك اعتقاد بأن الأميركيين يكذبون ويتراجعون، وهنا لي الحق
أن أستعمل تجربتي الشخصية حتى ولو استاء البعض من سماع ما سأقول: عام 89 و 90
لم يكذب الأميركيون علينا، ومن الممكن أنهم لو كذبوا ولو قالوا بأن لبنان سيرجع
على الخريطة السياسية وبأن الأزمة ظرفية والمبادرة السورية ظرفية، وقد طلبت
منهم ذلك، وقلت لهم إنني مستعد أن "أضب أغراضي وأترك بعبدا إذا أكدتك لي هذا
الموضوع، ولكنهم امتنعوا عن إعطائي هذه الكلمة، لم أطالب بضمانة خطية فقط بوعد
كلامي ولكنهم امتنعوا، وعندها توجهت إلى اللبنانيين وقلت الكلمة الشهيرة :
يستطيع العالم أن يسحقني ولكنه لن يأخذ توقيعي" وهي كانت موجهة بدون تسمية إلى
الأميركيين لأنني رفضت أن أدخل بمبادرتهم من دون أي ضمانة أو وعد على الأقل.
إذاً الأميركيون لم يكذبوا، كانت يومها سياستهم ضد مصالحنا وقد قالوا ذلك
بصراحة ونفذوها، اليوم يقولون إنهم مع إعادة السيادة إلى لبنان، وقد اتخذوا
الخطوات الأساسية لذلك، لقد أقروا قانوناً في بلادهم يُلزم الإدارة الحالية وأي
إدارة أخرى قادمة، بتحرير لبنان واستعادة سيادته واستقلاله ضمن الحدود المعترف
بها دولياً، فلماذا لا أصدقهم؟
في لبنان الجميع يكذب عن لسان الأميركيين ويقولون إن الأميركيين يكذبون،
ولكثرة تكرار هذا الأمر اعتدتم عليه، كل الذين اخذوا المواقف الانهزامية عام
89-90 قالوا لكم إن الأميركيين كذبوا ولكن الحقيقة أنهم هم كذبوا وليس
الأميركيين، ولذلك اصطدمت مع الأميركيين في تلك الفترة.
يجب أن ننتهي من هذا التشكيك، وهنا يعزيني قليلاً قول السفير الأميركي
السابق "باتل"، عندما قال وهو يغادر لبنان إنه فشل في إقناع اللبنانيين بأن
أميركا هي جادة بمبادرتها تجاه لبنان، وباتل لغاية تغيير السياسة الأميركية كان
كلامه سيئاً جداً عن الوضع اللبناني، وعندما جاءت التوجيهات الجديدة لم يستطع
التغلب على هذه "الفوبيا اللبنانية" كما أسماها والتي تقول بأن الأميركيين غير
جديين في تعاطيهم مع الأزمة اللبنانية.
هذه الفوبيا هي من ضمن الخطاب الأيديولوجي والضغط النفسي للتأثير على
اللبنانيين ويجب أن تتخلصوا منها.
ثم إذا كانت أميركا غير صادقة، فماذا نقول عن موقف فرنسا، ولماذا من بعد كل
سياستها المرنة مع سوريا والحوار النقدي الذي أقامته معها حول الموضوع
اللبناني، لماذا اتخذت هذا الموقف؟ اتخذته لأنها يئست من العمل مع سوريا.
- فارس خشان: عام 82 صدر القرار 520 مع إدارة ريغان التي تشبه إدارة بوش بعد
11 أيلول، ولم ينفذ وحدث انقلاب عليه فلماذا لا يكون مصير القرار 1559 كمصير
القرار 520؟
قبل كوبرنيك كانوا يعتقدون أن الأرض ثابتة والشمس تدور حولها، وبعد كوبرنيك
عادوا وفهموا العكس، أن الشمس ثابتة والأرض تدور حولها، السياسة الدولية تتغير
وفقاً للمعطيات الجديدة، لقد ظن الأميركيون أن باستطاعتهم تحاشي الإرهاب، وكان
هناك الاتحاد السوفياتي وعلى رأسه أندروبوف رئيس الكا جي بي، وكان يواجههم
مشاكل عديدة ولم نكن أولوية لديهم، اليوم هم يعالجون مشكلة الشرق الأوسط ولبنان
في المنطقة هو أولوية، فإذا لم يكن لبنان مصلحة أميركية فهو يتحول إلى مشكلة
أميركية، وفي الحالتين المصلحة يُدافع عنها والمشكلة تحتاج إلى حل، ومن هذا
المنطلق القرارات ستُنفّذ.
لبنان هو نموذج تعايشي، وهذا النموذج هو الحل الإنساني للمستقبل وهو حل
الألف الثالث للبشرية، الإنسانية تسير باتجاه التسامح والاعتدال، والحركات
المتطرفة سيقضى عليها لأنها عكس توجه الإنسانية، لبنان هو النموذج الذي كان في
طور النمو ضُرب وهو سيعيد إحياء ذاته، وكل شيء متطرف سيسقط وكما سقط التعايش في
الماضي في لبنان سيعود العالم إلى البدء بالتعايش في لبنان لأنه مجتمع متوازن
استطاع أن يطور ذاته فآمنوا بذاتكم لأن العالم مؤمن بكم أكثر من إيمانكم أنتم
بنفسكم، واستعيدوا ثقتكم بنفسكم تستعيدون مكانكم بين الأمم. هذه نصيحتي لكل
اللبنانيين مسيحيين ومسلمين: حق الإيمان مكرس، حق الاختلاف مكرس، والحريات
مكرسة، ولكن لا يجب أن نذهب بأفكار أكبر من حجمنا فتحرير العالم والكون ليس
مسؤوليتنا، فلنحافظ على النموذج الموجود لدينا، إذ بدونه هناك التصادم، واليوم
العالم المتطور لن يسمح للأفكار المتطرفة التي تفكك المجتمعات وتعيدها للتصادم،
لن يسمح لهذه الأفكار أن تعيش، وهو لديه الوسائل الكافية لمنعها.
هو يسعى لنشر الديمقراطية والتنمية والبعد عن الإرهاب، وهذه ستكون الأسس
التي سيبنى عليها العالم الجديد، ويجب أن نحلم بهذا اليوم الذي ستكون فيه
الحرية والعدالة على مستوى أوسع من العالم الماضي. يجب بناء ذهنيات جديدة
وثقافة جديدة وحضارة جديدة، وعملية البناء هذه ستبدأ يوماً ما فلم لا تبدأ
عندنا ونحن خلاصة الحضارات المتوسطية التي هي أم حضارات العالم؟!
- كيف تقرأ المصلحة الصهيونية في قرار مجلس الأمن الحالي؟
منذ صغري وهم يعلمونني أن الصهيونية هي ضد التعايش وضد لبنان، واليوم رأينا
اليهود في أميركا صوتوا إلى جانب لبنان التعايش وكامل أراضيه ووحدته فصار عندي
التباس، هل أتنكر لكل ما علموني إياه منذ الصغر وأتطلع بإيجابية إلى موقفهم أم
ماذا؟؟
وهنا أريد أن ألفت نظركم إلى مسألة مهمة جداً، عندما بدأ شارون وكانت
انتفاضة الحجارة، كانت تنزل مظاهرات في إسرائيل ضد شارون تصل أحياناً إلى مئة
ألف متظاهر تحت شعار "السلام الآن"، ، أين هم اليوم؟؟ ولماذا سكتوا؟؟ سكتوا
لأنهم لم يجدوا عشرة أشخاص في الدول العربية يتظاهرون ضد العنف ويقولون السلام
الآن..
ألا تجدون هنا تقصيراً من العرب في بناء السلام؟ لا نقول أن يتظاهروا
للتنازل عن الحقوق، بل فقط للسلام وضمن الحصول على الحقوق. لماذا دائماً الطرف
الآخر هو المجرم ولا نتساءل أبداً عن مسؤوليتنا نحن؟!
لا يزالون حتى اليوم عندما تقع جريمة تصفية شخص ما أو سيارة مفخخة يتهمون
إسرائيل قبل بدء التحقيق، فمن يعرف الفاعل في نفس اللحظة التي تحصل فيها
الجريمة؟ ولماذا لا يمنعها طالما أنه يعرف بها لحظة وقوعها أو قبل وقوعها!!!
هناك يهود يريدون العيش بسلام ويريدون السلام، ويجب أن ننتهي من حرب الآلهة
على الأرض. |