| الجزء الثاني
- هل ما زلت تطمح للعب دور في الحياة السياسية من ضمن المؤسسات أم أنك اكتفيت
بأن تكون رمزاً ؟
أطمح أن ألعب دوراً من ضمن المؤسسات، ولكن يجب قبل ذلك أن تصبح المؤسسات
وطنية، أما إذا كانت المؤسسات شكلية، وجدت كي تبرر قرارات القوة الخارجية، فبالتأكيد
لا أريد المشاركة.
- هناك كلام بان العماد عون حين سيعود سيتم الإفراج عن الدكتور جعجع كي
يشكلان قوتين متوازنتين وهناك توقع بأن تتصارعا ولو سياسياً، هل تظن أنكما
ستكونان متناقضين لو خرج من السجن وعدت إلى بيروت؟
طالما أن الحياة السياسية تخضع لقواعد سياسية مثل الرأي والطموح السليم فهذا
جزء من الحياة الديموقراطية، ولذلك لا أحب أن اسميه صراعاً سياسياً بل تنافساً
سياسياً
- هل عودتك إلى لبنان مرتبطة بخروجه من السجن أو العكس؟
لا أعرف ماذا يفكر الآخرون
- الحسابات السياسية في لبنان
يجوز، قد تكون تصفية مشاكل 1990، ولكن لا أعتقد إذا استقامت الحياة السياسية
في البلد فسيشكل ذلك صراعاً، التنافس طبيعي وضروري، ويجب أن يكون هناك تعددية الأحزاب
والرؤية السياسية.
- هل ستنتهي ذيول أحداث 1990 في 2005 مثلاً؟
تصفية الذيول تتم بشرطين: أولاً، إنشاء لجنة لتقصي الحقائق، كي تؤرخ الأحداث
اللبنانية، ونعرف كيف حصلت، ولإحياء الذاكرة التاريخية حتى " تنذكر ما تنعاد"
كما يقال، والشرط الثاني أن يعود لبنان وطناً سيداً حراً مستقلاً، وبدون هذين
الشرطين لا يمكن أن يستقر الوضع لا في لبنان ولا في الشرق الأوسط.
- لجنة تقصي الحقائق دولية أم عربية أم لبنانية ؟
مشتركة، المهم يجب أن نعرف كيف حصلت هذه الأحداث، أنا لن أقر أبداً بأن
الحرب هي أهلية
- ولكن اللبنانيين شاركوا بها
المشاركة في الحرب شيء آخر، في كل بلد تقع فيه الحرب لا بد وعلى الأقل أن
يدافع فيه الإنسان عن شباك بيته.
- هل تريد أن يكون الأخضر الإبراهيمي في هذه اللجنة ؟
لم لا، ولكن شرط أن يدوّن الوقائع، أما عندما تخضع القصة للاجتهاد والتحليل
فيبدأ الخطأ
- هو الآن في العراق، ماذا تتمنى للعراق ؟
- أتمنى للعراقيين أن يكون الحل الذي يعطيه هو فعلاً ما يريدونه
- أنت والدكتور جعجع تحركان الشارع المسيحي في لبنان، بينما الزعامات الأخرى
كقرنة شهوان والبطريرك صفير لا تفعل ذلك، لماذا؟
لا أعرف، ربما لعدم اقتناع أو لعدم قدرة
- أليس لأنكما تتطرفان في الرد على قمع السلطة لأنصاركما فتلهبان الشارع،
والاعتدال والمعتدلين ليسوا شعبيين؟
على العكس، إذا كان هناك من اعتدال في الحياة السياسية فهو في خطابنا نحن،
فهل خطابنا السياسي متطرف؟ من الناحية الطائفية لم يكن ولا مرة خطابنا مسيحياً،
تحدثنا عن عودة السيادة والاستقلال والحريات العامة للشعب اللبناني التي هي تاج
لجميع اللبنانيين.
- أنت والدكتور جعجع من خارج العائلات السياسية التي حكمت لبنان، فهل هذا من
العناصر التي سهلت إخراجكما من المعادلة السياسية ؟ مع العلم بأن الدكتور جعجع
حظي بعطف سياسي من الكنيسة
بالنسبة لي، فأنا أكيد من الأمر، فهم لا ينظرون إلي بارتياح، ويعتبرونني
دخيلاً على السياسة اللبنانية، يعتبروننا دخلاء لأن السياسة بالنسبة لهم نوع من
الملكية الحصرية، نجد هذا الشيء واضحاً في الانتخابات حين يجيرون الناس على
لوائح الشطب كأنهم ورثوهم في حصر الإرث، وعندما يحسبون الأصوات بالأرقام يقولون
"العائلة الفلانية هي لفلان"، وكأنها مسجلّة باسمهم، وهذه من الأمور الأساسية
التي نحاربها عندما نتحدث عن تحرر المجتمع.
- عام 92 تحدثت عن الفدرالية في لبنان ويومها تبرأ منك الشاعر سعيد عقل،
فلماذا طرحت الفدرالية؟
نحن أمام خيارات، فعندما يكون هناك استحقاق معين يجب أن يحصل الخيار، وفي
هذه المسألة الخيار يجب أن يكون إما باتجاه علمنة الدولة أو …
- المسلمون يرفضون علمنة الدولة
ماذا نعيش اليوم ؟ نحن نعيش فدرالية فلا نكذب على أنفسنا، ما معنى التوزيع
الطائفي والحقوق الطائفية، هناك حاجز بين المواطن والمواطنية اسمه الطائفة،
وهذه حدود فدراليته، فإما أن تحسّن الوضع القائم كي نتجنب الاحتكاكات في
المستقبل وهذه هي الفدرالية، وإما….
- هل الإقطاع المسيحي يقبل بالعلمنة؟؟ هل تقبل به البطريركية المارونية؟ ألم
يرفضوا الزواج المدني؟
لا يوجد رجل دين يوافق على الزواج المدني، وهنا أسأل متى أصبح الزواج دينياً
حتى نقول إن الزواج المدني معاكس للإيمان المسيحي وللفكر المسيحي؟؟ لقد بدأ مع
شارلمان، في القرن السابع، وعم كل الكنيسة في العالم في القرن الرابع عشر.
- لنفترض أنه حصلت الفدرالية ولكن النفس الطائفي سيبقى قائماً في
الكونتونات؟
يصبح هناك احترام للآخر وتفاعل إرادي أكثر، ما نعيشه اليوم هو نوع من الزواج
الإرغامي، بينما عندما تكون القصة نتيجة تفاهم فالكل يصل إلى حدود معينه، حتى
الآن لا أحد يتمكن من الفصل بين الدولة وبين الطائفة، أنا علماني في تفكيري،
فيمكنني أن أكون في كانتون علماني، وبجانبي كانتون ديني بمعنى الفدرالي.
- هل تعتبر أن الفدرالية هي الحل السليم؟
الحل السليم هو أن نشعر جميعاً أننا بشر نعيش مع بعضنا، لنا نفس الحقوق
وعلينا نفس الواجبات، ونخضع لنفس القانون، فإذا أردت أن توحد دولة فعليك أن
توحد أولاً قوانينها لا يمكن ب 17 قانون أحوال شخصية أن ندّعي أننا موحدون ،
نعيش الفدرالية ونكذب على أنفسنا.
- هل يمكن أن تكون الطوائف في لبنان بديلاً عن الأحزاب ؟ بمعنى أن الأحزاب
في لبنان هي طائفية، وعلى هذا الأساس تخاض العملية الديموقراطية
إذا كان بإمكان الأحزاب أن تقوم بتفاهم فيما بينها، أما إذا كان هناك تسابق
بين الحياة السياسية والحياة الدينية، فإن كل نزاع سياسي سيصبح حرب آلهة على
الأرض، وهذا أمر لا يجوز إطلاقاً.
- النزاع السياسي في لبنان لا يأخذ بعد طائفياً، ولكنه أخذ البعد الطائفي من
اجل المصالح
ولكن، حالياً ترتب عليه الكثير من النتائج الطائفية والمذهبية، فما نسمعه
اليوم في لبنان لم نكن نسمعه سابقاً، هذه الحركات الأصولية التي ترفض الآخر
ومصطلح الكفار..
أي حركات ؟
حركات أصولية إسلامية ظهرت في لبنان مؤخراً، وترتب عليها جرائم ومحاكم أمام
القضاء مثل المدارس الأصولية في عين الحلوة حيث يتربى أشخاص يقولون عن
المسيحيين واليهود أنهم كفار، صحيح أن هذه اللغة توقفت بعد حرب العراق واستدركت
بعض الشيء، ولكن نتائجها لا تزال موجودة
- هذه الانقسامات في المجتمع كيف نعالجها ؟
يجب أولاً بناء الإنسان السليم، الإنسان الاجتماعي، يجب أن يتعلم أن لكل
إنسان الحق في الحياة والحق بحرية
المعتقد وحق الاختلاف عن الآخر، هذه حقائق فردية شخصية. أما ضمن الدولة،
فهناك قوانين يجب أن تطبق على الجميع، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يختار
شريك حياته لأنه من طائفة أخرى فهذا يعني مسّاً بحرية المعتقد وخللاً
اجتماعياً.
- هل تأثر لبنان بما حدث بالمنطقة؟
رجع كثيراُ إلى الوراء
مداخلة سمير قصير
أنا من الناس الذين تمنوا أن يعود الجنرال عون إلى لبنان منذ فترة طويلة
وتحديداً منذ أن انتهت فترة الخمس سنوات، لا ألومه من الناحية الأخلاقية أو من
ناحية الشجاعة، ولا أعتقد أن المشكلة هي مشكلة شجاعة شخصية بل مشكلة مبادرة
سياسية، فالعماد عون لو قرر العودة إلى لبنان، حتى لو كان هناك ملفات مفتوحة،
فأعتقد أنه يستطيع أن يغير الكثير، وأول ما يغيره أعتقد هو ميشال عون وصورة
ميشال عون أمام اللبنانيين.
مداخلة ألبير منصور
كان متفرداً بالحكم ولم يعرف أن يحيط نفسه بمستشارين ويمكن لم يكن لديه
الرغبة بأن يستشير، وهذه من معايب المدرسة العسكرية حيث يشعر العسكري بأن لديه
اكتفاء ذاتياً بالمعرفة، رجل الدولة يحب أن يحيط نفسه بمستشارين، يجب أن يسمع
ويصغي وهذا أمر لم يتميز به ميشال عون
- هل صحيح أن لديك اكتفاء ذاتياً معرفياً ولذلك لم يكن لديك مستشارون؟
لا أحد في الكون يمكنه أن يدّعي أن لديه اكتفاء ذاتياً من ناحية المعرفة،
ولكن عندما يكون المرء من خارج إطار المستشارين فهو يرى فقط لحظة إعلان القرار،
ولكنه لا يعلم كيف اتخذ.
- كان لديك مستشارون؟
طبعاً، بمن فيهم هو في المرحلة الأولى، فعندما كنت أتحدث معه لم أكن أضيع
الوقت بل كنت أطلع على آرائه واخزّنها، بالإضافة إلى آراء الآخرين.
- الأستاذ سمير قصير يقول أنه لا تنقصك الشجاعة للعودة لو قررت، وإنه يمكنك
أن تغيّر الكثير، حتى ميشال عون؟
كان بإمكاني العودة، ولكنني أعتقد على عكسه تماماً، أنه لم يكن ليتغير شيء،
لأن التسكير الإعلامي الذي يحيطونني به….
- جنرال، أنت ترفض الاعتراف بالنظام الذي انبثق عن اتفاق الطائف، وتقيم
السدود منذ 13 تشرين بالمعنى النفسي وبالمعنى السياسي ولم تتجاوز هذا التاريخ..
لا يمكن لأحد أن يتجاوز هذا التاريخ بالمعنى الوطني
- بالمعنى السياسي
لا يوجد معنى سياسي مستقل عن المعنى الوطني
- أليست هذه مثالية أفلاطونية
أبداً
- البرهان على ذلك أنك عدت وشاركت في الانتخابات، وهذا يعني أنك تعترف
تدريجاً بخطأ المقاطعة
لا علاقة لهذا بذاك، استراتيجيتي تختلف عما يشرحه الناس لأنفسهم
دخولك الانتخابات هو اعترافك بالنظام القائم نعم أم لا ؟
اعتراف واقعي، ولكن هذا النظام " لا يدخل في دماغي"، بطبيعة الحال عندما
تستطيع أن تنزع هذا النظام من هيمنة النظام السوري فيمكنه أن يكون فاعلاً، أما
الإصلاح فهو موضوع آخر
- هل إذا انسحب الجيش السوري يصبح هذا النظام فاعلاً ؟
يجب أن تعود القوة الذاتية إلى اللبنانيين والتي سيبنون بها دولتهم…
- ما هو مشروعك
أولاً، هذا النظام الموجودون فيه حالياً، مهما يكن سيئاً، فهو يمكنه أم يعمل
لو كان القرار لبنانياً…
- ما هو مشروعك
في لبنان لا يوجد اليوم نظام سياسي، فطالما أنه لا يوجد معارضة فهذا يعني
أنه لا يوجد انتظام في الحياة الديمقراطية، فالذي يصل إلى الحكم اليوم أول ما
يعمل عليه هو إفراغ المعارضة…
- هل لديك نظرة خاصة إلى ما يجب أن يكون عليه لبنان؟
طبعاً، لبنان مر بمرحلة الطائفية التي صنعوها له كي ينتقل إلى مرحلة متطورة
ومتقدمة أكثر هي مرحلة العلمانية، فحتى المادة 93 في الدستور اللبناني القديم
كانت تنص على أنه "يعمل بالتوزيع الطائفي في الوظائف لمرحلة انتقالية"، فجاء
اللبنانيون وحجروها ومن حجرها هو الإقطاع السياسي الذي لم يعجبه أن تعمم هذه
التجربة على كافة شرائح المجتمع اللبناني.
- هناك انطباع عندي بأن الجنرال عون لم يستطع أن يكون منظراً سياسياً كبيراً
للبنان مثل ميشال شيحا وأنطون سعادة، ولا من جهة ثانية استطعت أن تكون سياسياً
محترفاً كبيراً، والبرهان أنك أُخرجت باكراً من اللعبة السياسية، فهل يمكننا
القول أن لديك Carrière ratée ؟
أنا لا أعطي لا صفة المنظر ولا صفة الدخول إلى الحياة السياسية، أنا وصلت
إلى الحكم لضرورة وطنية، في مرحلة عجز بعد حرب مستمرة منذ العام 67 مع التسلل
الفلسطيني والسعي لتقويض استقرار لبنان، وقد عنفت بدءاً من العام 75، وصلت إلى
الحكم إذاً لمعالجة مشكلة ولم نكن نبني لبنان المستقبل، كنا نبحث أولاً في
التهدئة ثم بعدها في طاولة حوار، لا يمكن لميشال عون وحده أن يبني، هو يساهم في
أفكار قد تكون بناءة وقد تعتمد من قبل بقية الأطراف، وعندها تصبح ملكاً
للجميع..
- هل أنت سعيد بأن تكون رمزاً للبنانيين كثيرين يختلفون حوله مع لبنانيين
آخرين، فهل يكفيك ذلك؟
لا يكفيني، ولكن لم تترك لي الفرصة لأخاطب الباقين، طالما أن الحوار ممنوع.
لقد أطلقت العديد من الدعوات للآخرين من أجل الحوار ولكنهم لا يستطيعون، وليد
جنبلاط وصل إلى الشانزليزيه وفي آخر 500 متر "كوع ورجع" فاسأله لماذا رجع!!
هناك شخصيات إسلامية تزورني سراً، فلماذا لا يتجرأون على الظهور العلني؟؟ لماذا
عندما أقول إنني أريد لبنان وطناً حراً سيداً مستقلاً، وأريده صديقاً لسوريا
أُعتبر عدواً لسوريا؟ هل الاستقلال والتكافؤ بالعلاقات مع سوريا هو عداوة لها؟
الحالة تنطبق إذاً على كل الدول العربية فكلهم أعداء لسوريا انطلاقاً من هذه
"النظرية" كل الدول المستقلة عدوة لسوريا… أليس التجاوز على التعاطي الإيجابي
يأتي من الأطراف الخاضعة لسوريا؟ كيف لا أحارب سوريا في لبنان وهي التي تمنع أي
تفاعل سياسي لبناني وطني.
- رغم إنك لم تتصل بالإسرائيليين فهناك من يتهمك بأن مسعاك لإنقاذ لبنان يصب
في خدمة إسرائيل ويتم بدعم من الصهيونية، فما هي نظرتك إلى الصهيونية؟
إسرائيل هي واقع عليك أن تتعامل معه، عليك أن تعترف بحقه في الوجود وأن تسعى
للسلام معه. هنا، يجب مصالحة عدة حقوق هي منقوضة حالياً في الشرق الأوسط، وإذا
لم يتصالحوا فسوف يعيشون في حالة حرب كما هو الحال الآن، وما يجعل هذه الحرب
تستمر هو سعي البعض لعدم استقرار الوضع، مما يمنع أوروبا وأميركا من التدخل
بشكل إيجابي لأن كل منهم يجد لنفسه عذراً للخروج من هذه المعادلة.
هذه الحقوق هي: حق إسرائيل بالأمن، وحق الفلسطينيين بالوطن وبالهوية، وحق
لبنان بسيادته وبكامل أرضه، وحق سوريا بأرضها، ومن يريد النظر فقط إلى سلامه هو
وحقه هو لا يمكنه إقامة السلام، فإذا فكرت سوريا بحقها باستعادة أرضها من دون
أن تأخذ بالاعتبار أمن إسرائيل فلن تتمكن من إقامة السلام ، وإذا فكرت إسرائيل
بأخذ الجولان لا يمكنها أن تبني أمنها مع سوريا، وهكذا دواليك،
من يعيق عملية السلام اليوم؟
كل فريق يتهم الآخر، هؤلاء يقولون "إنهم يفجروننا ونحن نتعشى في
المطاعم..ولا يمكننا أن نقيم السلام معهم إذا لم يسبق ذلك فترة هدوء"، وأولئك
يقولون "إذا لم نقتلهم بهذا الشكل فلن نستطيع الضغط عليهم والتوصل إلى
السلام."…
نحتاج إلى مرحلة هدوء والى مرحلة عودة إلى حوار عقلاني على مستوى دولي
مسؤول، وإذا لم يتم التوصل إلى هذه المرحلة فكل فريق سيجد لنفسه العذر كي لا
يدخل في السلام.
- بعد تسليم السلطة للعراقيين هل تتوقع تغيرات في المنطقة؟ وهل تخشى على وضع
لبنان؟
أنا أجد هذه المرحلة إيجابية، الأميركيين دخلوا إلى العراق، وها هم اليوم،
وبعد سنة فقط من إسقاط حكم ديكتاتوري، وفي بلاد لم تعرف الديمقراطية، يعطون
شكلاً ديمقراطياً من خلال المؤسسات ويسلمون الحكم… أما عندنا في لبنان، فبعد
28 سنة من دخول سوريا إلى لبنان، التي دخلت لفترة 3 أو 6 أشهر بحسب ما أعلنت،
لم ترحل بعد ودائماً تخلق لنفسها الأعذار لتبقى، فكيف سأنظر إيجابياً إلى
سوريا؟
- عام 89 أرسلت إلى الرئيس ميتران رسالة تقول فيها إن لبنان هو بلد التعايش،
وإنك من أجل هذه الفكرة تقاتل، وحذرت من أن سقوط لبنان سيؤثر على أوروبا وعلى
الفرنسيين، وأن نهاية القرن ستشهد تصادماً بين الإسلاميين والغرب، فما كانت
مناسبة هذه الرسالة؟
كانت بعد الطائف مباشرة
- لماذا تحدثت عن الصراع بين الإسلاميين والغرب، وأنت لم تعتبر أبداً حربك
هي على الإسلاميين وإنما على النظام السوري؟
لبنان كان بلد التعايش وكان نموذجاً، وهذا النموذج أصبح مرفوضاً من قبل
الإسلاميين، لم يكن في حينه بعد قد حصلت أحداث البوسنة ولا الجزائر ولا أي حدث
يدل على ذلك، ولكن الحركة الإسلامية الأصولية كانت قد بدأت وأصداؤها كانت
موجودة، كانت في الجزائر وفي حرب أفغانستان وكنا نسمع ماذا يقولون وكيف
يتطورون، وظهرت أيضاً الحركة الدينية في إيران، والردة على المرأة وعلى
الانفتاح، وعادوا إلى المجتمع المغلق والمجتمع السلفي، هذا الحركات كانت موجودة
وبدأت امتداداتها تصل إلى المجتمع الغربي، فأصبحت المسلمة التي تحمل الجنسية
الفرنسية والتي كانت تعيش سابقاً كالفرنسية أصبحت تريد أن تضع الشادور، ومشكلة
الشادور التي حصلت في حينه دلتني على الطريق الذي يسيرون باتجاهه وهو طريق
التصادم.
عام 2001 كنت في الولايات المتحدة وحاضرت عن الإرهاب وعن الديمقراطية وعن
التنمية، فهل اجتثاث الإرهاب يسبق الديمقراطية والتنمية؟
يجب قبل كل شيء اجتثاث الإرهاب، أو على الأقل شلّه في مرحلة أولى، ثم تشجيع
الأنظمة الديمقراطية التي تسمح للإنسان أن يتطور وأن يعبّر عن حاجاته في
المجتمع ويداويها بشكل سليم، ولا يكون لديه متنفس حقد على مجتمع خارجي، لأن
القيادات الديكتاتورية والتيوقراطية تبعد الخطر عنها دائماً من خلال إلقاء
مسؤولية فشلها في بلادها على الآخرين، لذلك فإن الولايات المتحدة، التي هي
القوة الأولى في العالم اليوم، عليها أن تتحمل كل تحديات الأنظمة الديكتاتورية
والتيوقراطية التي لا تدين بمبادئها، لأن الديمقراطية اليوم هي المتنفس الوحيد
للشعوب كي يتمكنوا من التطور بحرية ويكونوا خلاقين في مجتمعهم.
والنقطة الثالثة هي التنمية، فالعالم المتطور، الذي يشكل ملياراً من أصل 6
مليارات إنسان في كل العالم، عليه أن يساهم في مساعدة ال5 مليارات الباقية
ليحصل بعض التوازن.
- هل تعتبر أن العالم الأول يتحمل جزءاً من المسؤولية في فقر العالم الثالث؟
بالتأكيد، فالتنمية غير المتكافئة يتحمل جزءاً كبيراً منها، الخلل الاجتماعي
على المستوى العالمي، ولذلك أتطلع اليوم بشكل إيجابي للمبادرات الديمقراطية في
الدول غير الديمقراطية والمساعدات التي قد تقر في اجتماع الدول المتطورة، ولكن
الديمقراطية هي شرط أساسي للتنمية.
مداخلة سمير قصير:
عندما ظهر العماد عون على الشاشة لم يعرف الكثير من الناس من أين يأتي، ورغم
أنه فعل الكثير منذ ذلك الوقت ولكن السؤال يبقى مطروحاً من أي أتى الجنرال عون؟
أتى من الجيش ولكنه أيضاً أتى من تجربة سياسية وحربية خلال حرب لبنان تجاوزها
على الأرجح في ما بعد، ولكن هناك شعور بأن هذا التجاوز لم يكن كاملاً. لقد بدأ
خلال الحرب مع أحد الأطراف، مع الميليشيات المسيحية كضابط في الجيش اللبناني،
لكن التحول الذي لاحظناه في ما بعد نحو العروبة والعلمانية ونحو المسلمين يبدو
لي أنه لم يكن كافياً، وأن الجنرال عون لم يشرح بما يكفي من أين أتى والى أين
ذهب.
مداخلة أدونيس العكرة
في 28 حزيران 1989 أعلن في كل الصحف أنه مستعد أن يتخلى عن السلطة لصالح
الدكتور الحص وأن يكون الحص رئيساً للجمهورية، ما يهمه أنه يريد وطناً سيداً
مستقلاً وعلى علاقات أخوة ومودة مع سوريا من ضمن التكافؤ والسيادة المتكافئة،
وفي التيار الوطني الحر لدينا من كل الطوائف ومن كل المناطق.
- سأل الصحافي سمير قصير من أين أتيت وهل تجاوزت المرحلة الحربية؟
أكيد تجاوزتها منذ زمن بعيد، وحتى عندما كنا نخوضها، لو كان بإمكاننا أن
نتجاوزها في حينه لفعلنا، لأنني، ولو كنت عسكرياً، أعتبر أن أي حرب كانت هي
بربرية، وانقطاع عن الحضارة، ولولا أن الإنسان في الحرب يتصور أنه يزيح عن نفسه
شراً معيناً عندما يرمي النار فلا يمكنه أن يرمي.
- أليست كما قال كلاوسفتش "استمراراً للسياسة بوسائل أخرى"؟
هي مرحلة ساخنة من السياسة، ولكن نحن الآلية لها ولسنا المقررين.
- هل كان تحولك ناقصاً نحو العروبة؟
أي عروبة؟ العروبة لغاية الآن ليس لها مفهوم عند أحد، لا مفهوم لغة ولا دين
ولا اقتصاد، هي شعور شعبي وجماهيري باتجاه الوحدة ولكن ليس لها أي مقومة من
مقومات الوجود، وإذا أردنا أن نعتبرها من ناحية السياسة والاقتصاد فلن نجد
شيئاً، أما إذا أردنا لتلك الوحدة أن تقوم فيجب أولاً أن تبدأ بنوع من تحقيق
الذات للشعوب العربية كلٌ في بلده، ويكون لديه ثقة بنفسه، ثم يلي ذلك، الانفتاح
نحو المصالح المشتركة ونحو أنظمة ديمقراطية ونحو مزيد من الحريات، وهكذا تتطور
كما تطورت الوحدة الأوروبية، أوروبا فشلت 4 أو 5 مرات قبل أن تتوحد، وهي لم
تتوحد بعد بشكل كامل بل على طريق الوحدة.
- كيف يمكن لأتباع الديانات السماوية الثلاث أن يتعايشوا برأيك؟
يجب أن يكون لديهم أولا مفهوم عميق لديانتهم، فكل ديانة لم تأت إلا تلبية
لحاجة الإنسان ولأسئلة فلسفية طرحها مثل "من أين أتيت؟ وكيف أتيت؟ وماذا يمكن
أن افعل؟" وعندما عجز عن شرح عملية الخلق والوجود سلّم بوجود الله الذي خلقه،
والبعض لا يسلّم بهذا الوجود ويعترفون بما يرونه فقط. الدين هو نوع من التعليم
والأسس الأخلاقية وطرق عبادة، يحفظه الإنسان ضمن نمط نفسي بحيث لا يتعدى على
الآخر بل يحبه.
- هناك فهم معين للدين يحوله إلى سلاح؟
أكيد، فالدين سلاح ذو حدين، فإذا استعرته لتقاتل الناس وتقتلهم باسمه يصبح
شراً وجريمة، أما إذا اعتبرته علاقة بين الإنسان والخالق تقربه من بقية الخلق
فيكون جيداً.
- هناك من يرى بين العرب والمسلمين أن الدين هو السلاح الأخير في وجه
إسرائيل؟
هذا الأمر مخالف للدين 100%، فالله خلق الإنسان على صورته ومثاله، وعندما
نريد أن نحول الدين إلى هذه الغاية فكأننا نريد أن نحول الله على صورتنا
ومثالنا، أي ندخل الله في مشاكلنا، وهذا ما أسميته حروب الآلهة على الأرض،
فالله لا "يخانق" أحداً.
- لقد حذرت قبل عامين من العمليات الانتحارية، وقلت إنها قد تفلت قوة
إسرائيل التدميرية ضد الفلسطينيين؟
صحيح،
- ما البديل؟ هل العودة إلى انتفاضة الحجارة؟
انتفاضة الحجارة أعطت الفلسطينيين عطف العالم كله، حتى الأميركيين لم يكونوا
في تلك المرحلة موافقين على ما تفعله إسرائيل، ولكن قصة الانتحاريين التي بدأت
تحصد الأبرياء وغير الأبرياء حررت إسرائيل وأعطتها الذرائع لاستعمال قوتها
التدميرية ضدهم. بالإضافة إلى ذلك، كان ينزل في إسرائيل حوالي 60 أو 70 ألف
متظاهر ضد شارون، الآن اختفوا جميعاً لأنهم يئسوا، إذ لم يجدوا في المقابل من
يقاوم معهم من أجل السلام.
- يقول زوارك إنك تتحدث كثيراً هذه الأيام في المسائل الدينية، والبعض يقول
إن عندك هاجس الموت، فهل هذا صحيح؟
من يعش خط الحياة الذي عشته لا يفكر بهاجس الموت، كيف يتغلب الإنسان على
الخوف؟ عندما يعرف أنه يسير على طريق الموت، منذ الولادة، وممكن أن يأتيه في أي
لحظة وفي أي مكان، وعندما يتقبل الإنسان هذا الأمر لا يعود خائفاً.
- أنت على مشارف السبعين، فهل ما زلت تعتقد أنك قد تصبح رئيساً للجمهورية
يوماً؟
بأي معنى؟ العمر؟ العمر لا حدود له. المهم طاقة الإنسان العقلية وصحته،
الرئيس شمعون كان أكثر الرؤساء Lucidité ، البلد تحكم بالرؤوس وليس بالأرجل.
- حين زار الرئيس الأميركي مؤخراً فرنسا للاحتفال بذكرى الإنزال في
النورماندي قلت لي إنك تسمرت على التلفزيون لمدة 6 ساعات، فهل كنت تتخيل لبنان
مثلاً؟
طبعاً، فهناك جزء من حياتي أعيشه في النورماندي، أو أرى شيئاً مشابهاً له
عشته، أرى القتلى والشهداء الذين سقطوا، لا بد وأن تتذكر رفاقك الذين سقطوا
بالقرب منك، والناس الذين لا يزالون أحياء في الذاكرة، أنا ضد عتمة النسيان،
فالبلد الذي لا يتذكر شهداءه لا يمكن أن يبني مستقبلاً لأبنائه، بصرف النظر أين
سقطوا، فكل الذين سقطوا في الحرب سقطوا من أجل لبنان.
- هل تتخيل إنزالاً أميركياً في لبنان على طريقة العراق؟
هذا سجال سياسي يتلهون به في بيروت، ويطلقون الاتهامات على أساسه، فيقولون
إن فلاناً سيأتي على حصان أميركي وفلان مع الأسطول السادس.
- ألم تصرح للوكالة المركزية بأن "الأميركيين قادمون إلى العراق ونحن قادمون
معهم"؟
أعوذ بالله،
- لقد سبق ونفيت هذا الكلام؟
لو أردت أن أتابع كل الصحف فعلي أن أصدر يومياً على الأقل 5 أو 6 تكذيبات،
أحياناً أعطي حديثاً فيشوهونه إلى درجة لا أعود معها أعرف أنه لي.
- هل يمكن أن يتحول التيار الوطني الحر إلى حزب؟
في هذه المرحلة لا، نحن لا نختار فقط أناساً لديهم نفس المعتقد الحزبي في
هذه المرحلة، فهناك اليسار وهناك اليمين في تيار أسميناه التيار الوطني الحر،
بهدف استعادة السيادة والاستقلال ومن دونهما لن يتمكن لبنان من إصلاح وضعه
الاقتصادي والاجتماعي، فاستعادة القرار الحر هو شرط لأي إصلاح.
- منذ عام 91 وأنت تقول إنها آخر سنة لك في المنفى، فهل هذا المورفين هو
الذي جعل شعبيتك تصمد؟
لم أقل ذلك، كانت أحياناً تمر بشكل تمنيات، وخاصة على الأعياد، فأقول رداً
على تمنيات "أن شاء الله نراكم قريباً"، ولكن في كل الأحوال لا يمكن لحياة
سياسية أن تقوم من دون رسالة أمل للناس message d’espoir.
- هل سيرجع قانون "محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان"، للبنان سيادته
واستقلاله؟
أرجع لنا دعم الولايات المتحدة، ومؤخراً دعم أوروبا
- أنت من اتهم الولايات المتحدة بأنها قدمت لبنان جائزة ترضية إلى سوريا؟
نعم، أنا اتهمتها، ولكن إذا تراجعت عن سياستها فهل أبقى اتهمها؟! هي تصحح
اليوم الخطأ الذي قامت به بالأمس.
- متى ستستعاد سيادة لبنان؟
هي سياسة قيد التنفيذ
- هل هذا القانون هو للضغط على سوريا؟
هو تصعيدي، ويمكن أن يأخذ اشكالاً أخرى، الولايات المتحدة تستعمل وسائلها،
ولا يمكن لأحد أن يدعي بعد اليوم أن بإمكانه أن يفرض على الولايات المتحدة
موقفاً مغايراً لهذا القانون.
- ولكن هناك عشرات القوانين أقرها الكونغرس ولم تطبقها الإدارة؟
لا يمكن ولا يجوز وفقاً للقوانين الأميركية أن لا يطبّق القانون، وإذا لم
يطبق فهناك مسؤولية تقع على الإدارة وعلى رئيس الولايات المتحدة
- أي مسؤولية؟
كل المسؤولية، أي أميركي يمكنه الادعاء على الرئيس إذا لم ينفذ القوانين
الصادرة عن الكونغرس.
- ألا يسبب دعمك لهذا القانون شرخاً بين اللبنانيين المختلفين على مسألة
الوجود السوري في لبنان؟
عندها يكون هناك مشكلة على الوطن، لا يمكن أن يحمل الهوية الوطنية ، ولا
يمكن أن يكون لبنانياً من لا يريد سيادة واستقلال وطنه،
- مفهوم الاستقلال لم يعد نفسه، الجيش الأميركي له قواعد في ألمانيا
واليابان.. كندا ليست مستقلة اقتصادياً عن الولايات المتحدة، في علاقة لبنان
البلد الصغير بسوريا الجارة القوية لا يمكن أن نتخيل استقلالاً ناجزاً؟
هناك مسألتان، ويجب التمييز بينهما، هناك مسألة السيادة أي تطبيق القوانين
اللبنانية على الأرض اللبنانية بقرار لبناني وبقوى لبنانية. وهناك الاستقلال،
أي أن القرارات السياسية والتي تتعلق بلبنان وبالدول الأخرى يأخذها الحكم في
لبنان. لا يوجد بلد في العالم مستقل بالمطلق، حتى الولايات المتحدة، لأن أي
دولة سواء كانت كبيرة أو صغيرة، فعندما تريد أن تأخذ قراراتها فعليها أن تأخذها
ضمن المواثيق الدولية والقرارات الدولية، وضمن صلاحياتها، بهذا المعنى لا يوجد
استقلال مطلق، هناك ارتباطات بقواعد وقوانين، وهذا ما ندافع عنه، ليس بالضرورة
أن تكون قرارات لبنان المستقل ضد سوريا، ستكون وفقاً لمصالحه ومن دون أن تضر
بالدول المجاورة له.
- جنرال، لقد اقتربنا من نهاية الحوار، أحد الزملاء حين جلسنا معك وتعرفنا
عليك في الجلسة التمهيدية قال لي بعد الجلسة: "إنني أحببته"، فسألته: "ألم تكن
تحبه؟" فقال لي: "لم أكن أطيقه، وتحاشيت النظر في عينيه خلال الجلسة لئلا يعرف
كم أكرهه.." فماذا فعلت له مع أنك لم تتحدث معه ولم تقدم له حتى فنجان قهوة؟ هل
سحرته؟!
كنت بمفردي في المنزل ولم أستطع تقديم القهوة
- هل سحرته؟
تكلمت بشكل طبيعي، وهذه شخصيتي المقربة..
- ولماذا لا تصل دائماً إلى الناس؟
هذا يعود لوسائل الإعلام، وبالمناسبة أشكركم لأنكم أتحتم الفرصة كي يتعرف
علي الناس من خلال الوجه الآخر.
- لم تبدُ عصبياً رغم أن الكثير من الأسئلة كان استفزازياً؟
أتحمل الاستفزاز طالما أن السؤال مطروح بشكل استفساري، ولو كان يتناقض مع
الواقع، أجيب عليه. ولكن، هناك أناس يخرجون عن أصول التهذيب، وهذا حصل معي عدة
مرات، فيحصل عندها ما يسمى بالغضب المقدس، يجب أن يشعر هؤلاء أنهم خرجوا عن
أصول التهذيب وأدب الكلام وان هذا لا يجوز. |