أسماء الأسد: لا مستقبل لنا من دون السلام         البصرة تريد ان تصبح إقليما على غرار كردستان         شراكة قاتلة: الجوع والايدز يسددان ضربة مؤلمة لإفريقيا         العيد مجرد عطلة بائسة في غزة         سياسة أوباما تجاه ايران تقوم على ‘العصا والجزرة’         هل يتوقف إصدار شيكات على بياض لإسرائيل في عهد اوباما؟         جامعة الموصل: العرب يعيشون ارتباكا تاريخيا         الصومال في أوج العنف وحضيض التغذية         34 جريحا في محاولة اغتيال ضابط كبير وقائمقام عراقيين         جنبلاط: النظام السوري الخطر الأول على الحركة الاستقلالية اللبنانية         طنطاوي: صحفيون يهود كذابون وابناء ستين… اما الصحفيون العرب فمجانين         عُمان تتمسك بالعيد الثلاثاء         الملا عمر يدعو إلى مقاطعة الانتخابات في أفغانستان         أزمة دارفور تتمدد: السودان يحشد قواته في كردفان         إقليم كردستان يُسهل شروط الإقامة للعراقيين         ارتفاع الأسعار يحرم العراقيين من الأضاحي         بوش يريد حياة طبيعية في تكساس بعيدا عن الأضواء         وقوفا على جبل الرحمة، حجاج بيت الله يرددون: لبيك اللهم لبيك         مؤتمر بوزنان: كوارث المناخ تتفاقم، والجميع يتحلى بالطموح         أبوظبي تكثف استعداداتها لانطلاق مهرجان الظفرة 2009        
Your Ad Here

المحركات السياسية للفتنة المذهبية

November 20th, 2008

من الواضح أن المحركات السياسية هي التي تقف خلف الفتن المذهبية التي ما فتئت تشتعل بين الفينة والأخرى في المجتمعات العربية والإسلامية، الصراع السياسي يستنفر في العادة كل الأسلحة للقضاء على الخصم أو تحييده من ساحة المنافسة، وأقوى سلاح لتحقيق هذا المطلب بلا منازع هو الدين، ثمة من يعتبر دوره الأساسي المساهمة في الحفاظ على المصالح العمومية، بما تستدعيه من إطفاء أوار الفتنة ولفت الأنظار إلى القضايا الحقيقية التي تعترض البلاد والعباد، وثمة من يعتبر الأزمات المذهبية «شتلات زراعية» في غابة يجب أن يهتم بصحتها ويتعهدها بالرعاية والأسمدة حتى تكبر وتتضخم.

جميع الأطراف تلجأ إلى الدين وتستخدمه في صراعاتها السياسية، بالنسبة للمعارضة فإن الدين الإسلامي يُمثل من جهة هويتها الحقيقية، لكنه أيضا يمثل عنوان الشرعية العريض الذي يستقطب الجماهير حول أهدافها وبرامجها ورموزها، أما السُّلطة فيتحرك اهتمامها بالدين من شعورها بضرورة إغلاق جميع منافذ الهجوم والنقد التي يُمكن أن يدخل منها خصومها.

تتمثلُ المذهبية في السياسة أكثر مما هي في الدين، إن الرابطة بين المذهبية والدين هشة لا تلبث أن تسقط وتنكسر، إنها تعتمد على الدين لاستغلاله والانتفاع منه، بينما هي تتعانق مع السياسة وتحقق طموحات أصحابها الجائرة، وتتجسد الفتنة المذهبية في الصراع السياسي على هيئتين:

الأولى: تحالف السلطة والمؤسسة الدينية؛ تلجأ السلطة إلى التحالف مع المؤسسة الدينية التقليدية والاستقواء بها لتدعيم شرعية النظام، وفي العادة فإن رجال المؤسسة الدينية الموالين للنظام يتم انتقاؤهم بدقة، بحيث يكونون من الشخصيات المستعدة لتذليل المفاهيم الدينية والنصوص المقدسة لصالح رغبات الحاكم ومصالح السياسة، والنصوص المقدسة لتسويق رغبات الحكومة، ونظرا لتاريخ معظم المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي التي تصب فتاوى علمائها وبرامجها لصالح تدعيم الحكم الفاسد، وتكييف العمل مع سلطة الاستبداد، فلم يعد من الصعب أن تستخرج المؤسسات الدينية الحديثة مقولات وتفسيرات تجيز لها التعاون مع السلطات الحاكمة وخدمتها.

ويستهدف النّظام من تحالفه مع المؤسسة الدينية أمرين، الأول إسباغ الشرعية على النظام الحاكم، وتصويره أمام الجمهور بأنه نظام إسلامي أو غير مناقض للشريعة. إن الدين هنا يوفر الغطاء المفقود، فأغلب النظم العربية هي في الحقيقة علمانية، لكن الاعتراف بعلمانية النظام في مجتمع مسلم يبدو حتى الآن بالغ الصعوبة، وبالتأكيد فإنه في السنوات السابقة كان أشد صعوبة، فالقول بالعلمانية في الفهم الشعبي هو أقرب إلى القول بالكفر، ولأن الأنظمة العربية لا تمتلك هوية واضحة المعالم، ولم تستطع أن تخلق إجماعا شعبيا تستل منه شرعية الحكم، وأغلبها جاء إلى الحكم إما عن طريق القوة العسكرية أو فرض الأمر الواقع، فإن الهوية الدينية مثلت المنفذ لتوفير الشرعية المفقودة.

الثاني: مواجهة المنظمات والجماعات الإسلامية بنفس سلاحها، فطبيعة المجتمعات الإسلامية تُولّد فرقا وجماعات دينية لها قراءتها الخاصة للنص الديني، وهي ليست بالضرورة تقترب أو تتشابه مع القراءة الرسمية، بل وفي كثير من الأوقات تتضارب وتتشابك معها. وقد تأزمت العلاقة بين القراءات الشعبية والقراءة الرسمية للدين، بعد أن وجدت الأنظمة أن الجماعات الدينية دخلت إلى وسط المعركة السياسية، وأخذت في استقطاب الجماهير حولها، ولم تجد الأنظمة بُداً من استخدام سلاح الفتوى المضادة ورعاية المؤسسة الدينية ودعمها بالمال والإمكانات، فالدين هنا بمثابة السياج الذي يحمي النظام من نقد الإسلاميين.

الثانية- صناعة الفتنة المذهبية: تعمد السلطة إلى إثارة الأزمات الفقهية والعقدية بين المدارس الدينية المختلفة، وممارسة التحريض المذهبي بصورة مستمرة، ويستهدف النظام من هذه الممارسة، أولا: ضرب الجهات الدينية النشطة في الساحة السياسية، ويدعم هذا الاعتقاد تزامن تصاعد التوتر المذهبي مع هبوب الأزمات السياسية ضد النظام، والعلامة الفارقة في ظروف الاحتقان هذه أن مصدر الأزمة غائب تماما، ولا يستطيع أحد تقدير حجمها أو زمنها.

وفي غفلة من الزمن ينبري متحمس لهذا المذهب أو ذاك، ليُلقي خطابا طائفيا أو ينشر كتابا أو مقالا ساخنا يدفع الساحة الدينية والاجتماعية من جديد للاحتقان بين مهاجم مغامر ومدافع ثوري، وينشغل الجميع في الصراع المفتعل، بينما يتفرغ النظام لاستكمال مشروعه السياسي بخطوات ثابتة ودون معارضة تُذكر، لأن الأطراف المتحمسة والمتداعية للفعل ورد الفعل المذهبي تكون في وادي «المعركة المقدسة»، بينما تَحكُم السلطة قبضتها على مصالح الدولة.

ليس بالضرورة أن يكون هؤلاء الأشخاص مدفوعين من قبل السلطة ورجالها بصورة مباشرة، لكن ثمة دوافع من شأنها أن تُشجع الكثير من المتحمسين والمناضلين لحرق الساحة بالكتابات الملتهبة طائفيا، منها الرغبة في البحث عن أقصر طرق الشهرة والمجد، أو الشعور الخاطئ بأن المذهب يتعرض لخطر الغزو المذهبي، والضرب تحت الحزام، وتُشجع وسائل الإعلام الرسمية والمدعومة من أطراف حكومية هذه المخاوف، ولا تتردد من تشجعيها وتبنيها بالنشر والرعاية وربما بالدعم المالي أيضا، والأخطر أن يغيب رجال أهل الحكمة في الأزمات ويتوارون خشية الاضطهاد والنقد الداخلي.

ثانيا: إضعاف جميع الأطراف الفاعلة، فالصراعات المذهبية لا تؤدي إلى إشعال الأزمات والحرائق على المستوى المذهبي فقط، لكنها تؤدي أيضا إلى خلق ما يسمى بجناحي الصقور والحمائم داخل كل مذهب، بين من يحمل لواء الحرب ضد الآخرين، ويراهم أعداء لا يمكن التقارب أو التفاهم معهم، وبين من يدعو إلى تحكيم لغة العقل والحوار بالتي هي أحسن، والنتيجة أن الساحة الواحدة تنقسم إلى مجموعة أطراف متصارعة يصعب اقترابها أو اتفاقها حتى في القضايا المشتركة، لينتهي المشهد إلى أن تكون مؤسسة الحكم هي المؤسسة الأقوى والأقدر على إدارة الساحة.

لذلك فإن جميع مساهمات وتوصيات دعاة الحوار والتقريب، ومساعي القادة الدينيين والمثقفين للانفتاح على الآخرين وحسن الظن بهم، تنتهي إلى الفشل الذريع، وربما نجد مؤتمرا حول التقريب ينعقد في عاصمة عربية تشهد في ذات الوقت سجالا مذهبيا وتحريضا طائفيا مقيتا، والأغرب منه عندما نجد بعض دعاة الوحدة والحوار ينخرطون في المعركة بمجرد اشتعالها متناسين كل نظرياتهم السابقة في الحوار والتقارب، وهو ما يؤكد أن محركات الفتن المذهبية، سياسية بغطاء ديني.

احمد شهاب، كاتب كويتي

ahmed.shehab@awan.com

Posted in Latest News |

Leave a Comment

Please note: Comment moderation is enabled and may delay your comment. There is no need to resubmit your comment.