‘أيام الضجر’ يلقي الضوء على الضجر الذي يلف حياتنا
November 19th, 2008
وكما فعل في ‘قمران وزيتونة’ يمنح ‘عرّاب السينما السورية’ دور البطولة لأربعة أطفال يؤكدون حضورهم كممثلين محترفين وقدرة المخرج الكبيرة في التعامل مع أدواته، رغم أن هذا الأخير يُقرّ بصعوبة التعامل مع الأطفال. وتنتقل كاميرا عبد الحميد إلى الجولان السوري لترسم ملامح مرحلة هامة من تاريخنا العربي، هي مرحلة الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958، حيث نرى المساعد مصطفى يعيش مع زوجته وأولاده الأربعة في بيته البسيط على خط التماس المباشر مع العدو الإسرائيلي. غير أن الأطفال الأربعة يشعرون بالعزلة والضجر القاتل الذي يغذيه مجيء الأسطول الأمريكي السادس إلى شواطىء لبنان بطلب من رئيسه أنذاك (كميل شمعون)، فيتم ترحيلهم مع بقية الأسر السورية إلى منزلهم في الساحل وهناك يبدعون طرقا جديدة في تبديد هذا الضجر الذي يشتدّ مع الزمن. ولعل عبد الحميد الذي يؤرّخ لسيرته (سيرتنا) الذاتية، يريد التأكيد بأن الضجر الأميركي –الإسرائيلي الصنع مزال مستمرا في حياتنا وكأن شيئا لم يكن، بل إنه يعبّر عن ذلك صراحة: ‘المسألة تكمن في أن تكتشف بعد خمسين عاما أن حياتك كلها مبنية على لغم تحتك، وأنك تدفع ثمن الزيف والخداع كل تلك الفترة.’ كما أن عبد الحميد الذي يرفض تحميل فيلمه أية رسالة، يُؤكد عبر أدواته البسيطة (المنظار وجهاز الراديو) أن الأحداث السياسية تكرر نفسها تباعا، فهاهي أميركا تعود مجددا عبر أسطولها إلى شواطئ بيروت، مؤكدا: ‘حين أعطيت المادة الإخبارية للممثل لقراءتها، قال لي: ولكن هذه الأحداث تحدث للتو، فأجبته: لا تستغرب، فالأمور كما هي منذ 50 عاما.’ ويلجأ المخرج في فيلمه البسيط إلى التكثيف الرمزي، حيث تلعب الدبابة القابعة أمام منزل المساعد مصطفى دورا أساسيا في تكريس الضجر لدى الأطفال الأربعة الذين يستخدمونها مقرا للعبهم وأناشيدهم الحماسية، كما يراقبون منها عبر منظارهم الأبوين المستغرقين في مشهد غزلي. ولعل الدبابة المتوقفة عن الخدمة إثر قذيفة أصابتها، تغدو مكانا مناسبا لممارسة الحب بين مصطفى وزوجته، في الوقت الذي يدور فيه حولها عدد من الجنود الهائمين على وجههم في مشهد مؤثر رسمه عبد الحميد بحرفيته المعهودة. ويعود عبد اللطيف الذي يؤكد مرارا أن فيلمه البسيط لا يحوي أي رموز، إلى الرمزية مجددا عبر مشهد لن نغالي إن قلنا إنه من أجمل المشاهد في السينما العربية، حيث نرى الأم التي أجهضت في حملها الخامس تمنح الجنين لأطفالها ليدفنوه، فيما يُمعن والدهم في دفن لغم سيتسبب انفجاره في فقدانه لبصره. ولعل عبد الحميد الضجِر والمتعب من الحالة العربية الراهنة يريد التأكيد أن مشاريعنا النضالية منذ 50 عاما، أو ربما 60، أُجهضت بعد أن نالها التعب والضجر من الانتظار، فهاهو بطله (مصطفى) يعود إلى قريته معصوب العينين ليرقص ألما على وقع الطبل والمزمار الذين أتى بهما خال أولاده بهدف تبديد ضجرهم. وتقول الناقدة رندة الرهونجي إن عبد اللطيف عبد الحميد ابتعد في فيلمه الأخير (أيام الضجر) عن الكوميديا السوداء التي تشكل سمة جميع أفلامه السابقة واقترب من الكوميديا بمفهومها التقليدي البسيط، مشيرة إلى أن الطرافة في هذا الفيلم ‘لم تنبعث من المواقف التي وجدت الشخصيات نفسها فيها، بقدر ما أتت من أفعالها وحركاتها.’ وتضيف: لم يتضمن سلوك الشخصيات ‘أي التباس أو تناقض أو خلل مع محيطها وعلاقتها به، لا بل على العكس جاءت أفعالها منسجمة ومتأقلمة مع ظرفها الحياتي الصعب الذي لم يعكره سوى ما يفترض أنه إحساس ثقيل بالضجر سيطر على الأول.’ وتقول رهونجي إن الفيلم حاول أن يدخل في تفاصيل الشكل الذي يُعبّر فيه الأطفال عن ضجرهم، ‘فوجد نفسه ينحو باتجاه تعابير وسلوك وأفعال اتسمت بالمبالغة التعبيرية في الوجه والجسد أكثر مما لامست المفهوم الأعمق للطرافة والسخرية المرّة التي جعلت من أفلام عبد اللطيف عبد الحميد السابقة شخصيات فيها من صدق تناقض مساعيها وأحلامها مع واقعها المحبط، ما جعلها لا تغادر ذاكرة المشاهد إلى اليوم.’ |
Posted in Latest News |











