بين بلد وبلد: مال ومعنى، أو مال وكثبان رمل
October 13th, 2008
|
تملك ‘الجماهيرية’ الليبية من المال ما تملكه الإمارات. فكلا البلدين يُصدّران نحو مليوني برميل من النفط يوميا. الفوارق الأخرى (المساحة، السكان، الموقع الجغرافي) طفيفة التأثير في الطريقة التي يتم بها توظيف المال. ولكن ما ليس طفيفا على الإطلاق هو العقلية التي تحيط بالمال، لا المال نفسه. فثمة مالٌ يصنع مشروعا، ويعيد إنتاج الثروة والثقافة والمكانة والدور، كما يعيد إنتاج المال أيضا، وثمة مالٌ أحمق، ليس سوى مال، يتراكم بين كثبان عقل رملي، فلا ينتجُ إلا رملا. في مطلع السبعينات، وبينما كانت الإمارات تتطلع الى مشروع بناء، زار الزعيم الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طرابلس، فرأى مدينة عامرة، بمقاييس ذلك الزمان (ومما كان قد خلف الزمن الذي قبله)، فتمنى (ربما مجاملة) أن تكون أبوظبي مثل طرابلس. هذه قصة يرددها الكثير من الليبيين فخرا بحال طرابلس في ذلك الزمن وحسرة عليها الان. اليوم، وبينما تضاهي أبوظبي أرقى مدن الأرض، وأفضلها جمالا وتنظيما، وبينما تضيف فوق البناء، من العمران الثقافي، ما يبرر الأمل بجعلها واحدة من اكبر عواصم الأرض، فان طرابلس ترزح تحت نير الرمل، وتضيف فوق كثبان الخراب والإهمال. و’البترودولار’ هو ذاته البترودولار. واحد يتلمس طريق البحث، قبل أن يتحول الى مشروع عمران ثقافي واجتماعي من الطراز الأول، وآخر قد يبدأ بمشروع، إلا انه ينتهي بسلسلة كوارث، لا تدري أيا منها يدفع تعويضات عن الأخرى. لم تبدأ أبوظبي مشروع البناء، بوجهه الحديث، إلا قبل عشر سنوات ونيف. كان المال يتراكم، ولكنه ظل ينتظر نضج الرؤية. حكيم مثل الراحل الشيخ زايد بن سلطان أراد للإمارات أن تنهض، أولا، على وحدة راسخة، وثانيا، على مؤسسة مستقرة تقوم على احترام أفضل ما ورثته من قيم العلاقات الاجتماعية التقليدية، وثالثا، على إدارة تتنافس على الخير، وكأنه سينضب. ومن مجتمع يقوم على قبول الآخرين، والتسامح مع اختلافاتهم، صار يمكن للإمارات تحفر لنفسها موقعا يبدو ‘استثنائيا’ (لقلة شاغليه) في العلاقات الإقليمية والدولية، يقوم على التضامن واحترام الخيارات والبدء من منطلق الرغبة بالتعاون العملي الملموس. الصورة المألوفة هي أن الإمارات بلد صحراوي. ولكنها اليوم بلدٌ لا تعدو الصحراء فيه أن تكون خلفية فلكلورية للصورة، وللتصور. والصحراء تنحسر، لكن ليس بالمعنى الجغرافي فقط. شيءٌ بسيطٌ أن تحول الصحراء الى واحة خضراء. شيءٌ بسيطٌ أيضا أن تظل تسقيها وترعاها لتظل خضراء. الأصعب هو أن تجعل منها، ليس واحة أشجار، بل واحة معنى. الأصعب ليس أن تضفي عليها ثقافة، أو أن تجعلها منبرا لمناسبة أو مهرجان، بل أن تجعل الثقافة والتطلع الحضاري ينغرسان فيها لينتجا ثمارهما الخاصة. وهذا مما يتطلب ليس رؤية ناضجة وحكيمة فحسب، وإنما مجتمع نخبة، في القيادة، وفي كل مفصل من مفاصل الإدارة أيضا؛ نخبة تتنافس فيما بينها على الخير، وكأنه سينضب. وثمة من النخبة في هذا البلد ما نجح في جعله ينبض بالثقافة والفن والفكر والأدب أكثر بكثير مما تفعله عواصم عربية وعالمية راسخة الدور والمكانة. المعنى في أبوظبي يتجذر. وهو ينبض بحياة تبدو، بتنوعها وتعدديتها الثقافية، صورة لعالم بأسره. أناس من مختلف أصقاع الأرض، يأتون اليها من كل فج عميق، ليبنوا أو ليتبادلوا بضاعة، أو ليقولوا شعرا. وهذا هو ما يصنع المعنى. قلة عدد السكان في الإمارات قد يبدو معضلة بالمعنى الحضاري، وإن بدا نعمة بالمعنى الاقتصادي. ولكن الرؤية الحضارية عندما تُستولد بالخليط الحي لثقافات البشر وتبادلاتهم، لا يعود مهما أن يكون العدد صغيرا أو ضخما. والحال، فلو كانت الحضاراتُ عدداً، لكانت الصين هي الحضارة الوحيدة. قد تبدو الرغبة بان تصبح أبوظبي عاصمة كبرى من عواصم الأرض، شطحة أمل كبرى. ولكن المرء الذي ينظر الى حركة العمران والخضرة التي نجحت في طرد الصحراء في الكثير من أرجاء الإمارات، يستطيع أن يدرك أن عمرانها الثقافي لا يتسع في مهرجان للسينما أو آخر للشعر، وثالث للكتاب، ورابع للفن، وخامس للتراث… إلا من اجل أن يتسع المعنى الذي ينبض في كل وجه من وجوه حياته. وها هي هذه العاصمة، كما غيرها من مدن الإمارات الكبرى، تتحول الى ممر ومستقر للمزيد من عالم النخبة، حتى صارت تضيق بمساحتها عليهم، فتبني، وتتوسع طولا وعرضا، من اجل أن تعود لتتسع للمزيد من تبادلاتهم وحضورهم وتنوعهم. أمدينة عامرة إذن؟ نعم، ولكن ليس بمبانيها، وإنما برؤيتها؛ بالصورة التي ترى بها نفسها في مرآة هذا العالم؛ بالمكانة التي تقترحها عليه لنفسها؛ بالمشروع الثقافي التعددي المفتوح الذي تتبناه. هذا هو المعنى. وهو ينبض كما ينبض الدفق الخارج من شريان قلب صاخب؛ على هدوئه، صاخب. والمال، لو بقي مالا، لضاع. يأكله التضخم على الأقل، فيذهب. ولو وُظف في مشاريع أيديولوجية، لذهب أيضا. تأكله التبدلات والمنعطفات الأيديولوجية على الأقل، فيذهب. ولو اقتصر على عمران الحجر لضاع أيضا وأيضا. يأكله التقادم فيصبح طلا من أطلال زمن دَرَس. ولكن عمران الثقافة والبشر هو ما يبقى الى الأبد. بل انه منتج للمال، ومنتج للمعنى. وهذا مما لا ينضب أبدا. لا أحد يعرف، على وجه التأكيد، كم كلف بناء الأهرامات. ولكن مصر تستطيع أن تعرف كم من المال يأتيها كل عام من أهرامات بناها ذلك السلف الذي أثراها بمشروع حضاري وثقافي وديني، ما تزال جذوره تغذي نسغ الحياة فيها الى يومنا هذا. العمران مأوى. محتواه هو ما يحدد قيمته. وهو مصدر للثروة ولتجديد الثروة. فماذا تفعل طرابلس بمالها ومأواها؟ تستثمره في كارثة، وتعوض عليها بكارثة، لتنتهي بكارثة. حتى العمران (مما كان قد خلف الزمن) يهترئ. لا بناء، ولا ثقافة، ولا معنى. وبالتأكيد، لا نخبة. ومن أين تأتي النخبة، إذا كان ليس هناك سوى مشروع لكارثة؟ وإن وجدت النخبة، فماذا تستطيع أن تفعل؟ وإن فعلت، فما الذي يضمن ألا تجرفها كثبان كارثة أعظم؟ الصحراء قد تتسع في الجغرافيا، إلا أنها تتسع أكثر في خواء المعنى وغياب المشروع. ليبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام… إنما على حافة جرف، يجرف المال، ويجرف الأمل، ويجرف بلدا كان بوسعه أن ينهض ويكون مثالا للعمران والتنمية. لماذا وقد كنا ننتظر من ‘الثورة’ أن تكون ثورة؟ وهل تفتقر ليبيا للنوايا الحسنة، حتى من داخل بيت المشروع نفسه؟ بل وحتى من داخل الأسرة؟ لقد سعى القذافي الإبن لتغيير صورة البلد، فماذا جنى؟ لا شيء سوى الحسرة. في غياب المعنى، قد يجوز للمرء ألا يسأل عن طبيعة المشروع نفسه. لا بأس. ليكن ما يكون. لعله، على الأقل، ينطوي على تصور، أو فكرة. ولكن الحرس القديم الذي يزعم انه يحمي ‘المشروع’، لا يفعل سوى انه يحطم قاربه ليُغرقه (من دون أن يغرق معه بالضرورة). ومن إدارة الى إدارة أسوا منها، حتى انتهينا الى بلد من دون إدارة. ولا شيء في غابة الفوضى تلك، غابة من دون خضرة او مشروع او ادنى فكرة عما يريد ان يفعله اليوم او غدا. وبينما يعيش الليبيون في حرمان، فان مالهم يذهب الى حيث لا يعلم أحد. والمال يذهب. وهبه الله ليذهب. إنما الحكيم هو من ينفقه من أجل شيء لا يذهب. وهذا بلد. وذاك بلد. وكلاهما يملك من المال ما يملك الآخر. واحد يبني لنفسه تصورا. والآخر يهترئ.
علي الصراف |
Posted in Latest News |











