خريف سياسي ساخن يطل على الكويت من ايران ويهدد بحل البرلمان         ابوظبي تحتفل بجغرافيتها         لا أفراح لمسيحيي الموصل داخل مدينتهم         ‘أسطول القاعدة’ يصول ويجول في سواحل القرن الافريقي         باقة درامية عربية على شاشة ابوظبي         سلطنة عمان: ديمقراطية الوفاق والمصالحة         تصفيات مونديال 2010: العرب من سيِّئ إلى أسوأ         غضب سعودي من التحكيم الآسيوي         ثمار الرأسمالية: الولايات المتحدة تطلب الغوث من دول الخليج         دبي: أسعار نخلة الجميرة تتهاوى         البصمة القاتلة         محاكمة صديقي، محاكمة ‘للجانب المظلم’ من الحرب على الإرهاب         الفن والأيديولوجيا، ‘أيام الولدنة’ وبقية الجوائز         قصة الأسهم الفاسدة كما شرحتها لابنتي         المحركات السياسية للفتنة المذهبية         نعم أيها المالكي، انا معك.. ولكن؟         اختتام فعاليات برنامج أبوظبي لكبار مقتني الأعمال الفنية         السنوسي: عيسى عبدالمجيد منصور لا يمثل التبو         الأزمة العالمية تجرِّد الصناديق السيادية من قوَّتها         تركيا وباكستان بين مطرقة العلمانيين وسندان الإسلاميين        
Your Ad Here

غياب الثقافة الوطنية بالعراق

October 13th, 2008

في جلسة جمعتني بأحد الاصدقاء المهندسين بعد عودته من زيارة عمل قام بها الى كوريا الجنوبية مؤخرا، تحدث عن التطور الحاصل في هذه البلاد الاسيوية بشكل ملفت للنظر من حيث الخدمات المقدمة للمواطن والنهوض العمراني والتكنولوجي فضلا عن الطبيعة الخضراء الساحرة التي تتسم بها تلك البلاد كلما تبتعد عن مراكز المدن.

وبحكم نسبة الانبهار التي عاشها صديقنا المهندس اخذ يعزي اسباب واسرار نجاح المواطن والمسؤول الكوري في نظرية التطور المجتمعي الى أسلوب التألف والانسجام بين كافة مكوناته وكذلك علاقة المواطن بالمسؤول التي انتجت بلادا جميلة ناهضة وجيلا واعيا اتجه صوب التنمية والابداع والاكثر من ذلك توفر الثقافة الوطنية. وعلق على امور اخرى هي ان الولاء للوطن واتباع الصيغ المثلى في ممارسة النظام هي ابرز ألاسس المتينة لازدهار حياة الشعوب.

ومن شدة العتب التي تعتمر صدر صديقنا المهندس اخذ يلوم نفسه والاخرين ووضع مقارنة ما بين المواطن العراقي والكوري. وقال بالحرف الواحد ان مواطننا عندما يسافر الى خارج بلاده فانه يتحلى بمواصفات الانسان الحضاري، الا ان هذه الخاصية الحضارية تنعدم تماما حين يوجد على ارض بلاده.

وكان هذا الرجل يتحدث بشعور الانسان الوطني الغيور على وطنه ويتحسر ان يلتحق بركب البلدان النامية تلك التي قطعت اشواطا من النهوض بجوانب مختلفة للحياة هذا ما كان يعبر به امام عدد من الاصدقاء.

تشظى الحديث ليشمل جوانب اجتماعية وسياسية اخرى تهم مصلحة المجتمع العراقي لكن صديقنا عاد بالحديث ثانية للمقارنة ما بين المسؤول الكوري والمسؤول العراقي وقد تعرض بالنقد لمسؤولين عراقيين وتحديدا اصحاب الدرجات الوظيفية العليا التي تشمل المدراء العامين وامثالهم والارفع منهم، وهؤلاء يتمكنوا بحكم وظائفهم المرموقة ان يجيروا السفرات الخارجية لدول اجنبية لصالحهم ويتنازلون للسفرات التي تشمل دولا مجاورة لموظفيهم. وفي احيان اخرى يتكتمون عليها حتى ان بعضهم يدير مؤسسته عبر الانترنت لمدة طويلة وهو خارج البلاد، وتعمق الحديث اكثر واكثر في سياق انتقاد افعال وسلوك هؤلاء المسؤولين في سفرهم لبلدان اجنبية، فاتهمهم بالخيانة للوطن، وقال حين يزورون الدول الاجنبية يتصرفون كانهم صبيان عابثين، وحين يعودون للعراق يتحول الواحد منهم الى بعبع لكنه في الوقت ذاته ضعيف النفس، ومن ابرز هذه التصرفات، يقول صديقنا، جلسنا في غرفة مزودة باجهزة اتصالات وانترنت تعج بشخصيات من مختلف الجنسيات الاجنبية والعربية الى جانب اصحاب الدار من الكوريين والجميع كان يتحدث ويكتب ويراسل بصمت وهدوء مثالي سوى احد المدراء العامين من العراق عندما اتصل بعائلته وتحدث بصوت عال مما ازعج جميع من يوجد في غرفة العمل، واضفى جوا فوضويا وتركز حديثه على شرح ابرز المعالم الحضارية والمدنية التي تتميز بها تلك البلاد (كوريا الجنوبية)، ويعدد لافراد عائلته ابرز المدن الكورية التي زارها ويقول هذه الدولة تستحق ان نعتز بها كثيرا لانها نظيفة وجميلة وامنة ويتحدث للعائلته التي شملت الصغار والكبار بانه يتمنى ان يعيش فيها واوعدهم بزيارة هذه البلاد في اقرب فرصة ايفاد تتوفر لدائرته. وقد نسي اخينا السيد المدير العام او تناسى انه جزء أساسي ومهم في هرم الدولة العراقية وان مشاركته باخلاص ستكون فاعلة لان يجعل من عراقه اجمل من هذه البلاد الاجنبية والمفروض ان يتحفز ضميره لاعادة الاشراقة من جديد لبلاده بعد ان عبثت بها ايادي الاجنبي وساهمت ثنائية الاحتلال والفوضى الخلاقة بقتل نسبة كبيرة من حياة ابناء جلدته والعبث والتخريب بكل ما هو جميل في ربوعه.

ومن الملاحظ على المسؤول العراقي هذا ان جل اهتمامه ينصب على مكسب السفرة والصور التي يصفها بالبديعة حين التقطها بكاميرته الرقمية من خلال حديثه المستهجن لعائلته. وامام هذا الطوفان من النقاش تساءلت، ما الذي يجب ان يكون عليه السيد المسؤول عندما وجد ان بلادا أسيوية جميلة أنبهر بما يحصل فيها من تطور ورقي في مختلف جوانب الحياة؟ وتساءلت ايضا، هل نسي ام تناسى ان البلد المحتل لن يرى النور طالما اقدام الغزاة تطأطيء ارضه، وان دولا كثيرة تعرضت للاحتلال الاستعماري ولكن نهضت بلادهم بتظافر جهود ابنائه وان المسؤول هو والي مؤتمن على امانة كبيرة هي الوطن؟

تعودنا ان نسمع ونقرا ونشاهد تزاحم المسؤولين العراقيين وحاشيتهم للاخرين في المطارات والفنادق الفخمة لقضاء الليالي الحمراء واعتبروا العراق الذي لم يكن ذات يوم بلاد الاستقرار لهم ما عدا كونه منجم عمل او (مقاولة) ينالون منه مصاريف جيوبهم لتصرف بالخارج.

ان من بديهيات العمل الوظيفي ان ترسل الدولة موظفيها صغارا وكبارا الى دول اجنبية لنقل التجارب الخارجية وبما يعزز قيمة التحضر والابداع في بلادهم لكننا امام حالة فردية معاكسة في العراق المحتل. فالموظف كلما كان منصبه رفيعا كلما كان حظه اوفر بنيل جوائز السفر والمتعة والمال والثراء وشراء العقارات والاستثمارات في دول اخرى، وتجاوز على حقوق الوطن وابنائه. وبصريح العبارة يتحول الى لص يسرق ويعبث، يستفيد ولا يفيد، لا بل يضر. الكثير من الافكار والانتقادات شخصت حالة التدني في مستوى عطاء وخدمات المسؤولين الكبار خلال السنوات الخمس الاخيرة وتلك حالة القت بظلالها على الشعب، واجمعت جميع الاجابات والاراء بان غالبية المسؤولين ليسوا مؤهلين وان نسبة كبيرة منهم لا يملك الاستحقاق العلمي ليتبوأ المنصب ولا الحس الوطني ولا الهوية العراقية ولا يملك عقارا بالعراق ما عدا العقارات التي استولوا عليها بظروف الغزو والاحتلال، وان ولاءهم لدول اجنبية اخرى بناء على رؤوس الاموال التي استثمروها هناك والمنازل الفخمة التي شيدوها او اشتروها وسجلوها في دولة الاستقرار التي منحتهم جنسية بموجب قوانين الهجرة او اللجوء الانساني أو السياسي.

من هذا المنطلق نخاطب بحس عراقي مخلص مسؤولينا المستحدثين ألا يسيئوا بتصرفاتهم عندما يوجدون في ساحات دولية اجنبية ونلتمسهم ان لا يتكلموا اللغة الأجنبية، لانها ليست لغتهم الام، وعليهم ان يتحدثوا بلغة المجتمعات التي تربوا فيها وتطبعوا باخلاقها ويقينا ان نسبة 90% منهم اصبحت الجنسية العراقية ملغية او من الدرجة الثانية.

واخيرا، فالحكم لكم في تقييم ضمير مهندس بسيط مستقل التوجه منحته فرصة السفر دافعا كبيرا للتوجه نحو بناء وطنه بالمقارنة مع ضمير مدير عام ينتمي لحزب متنفذ اعجب بصورته بين غابات كوريا الجنوبية.

د. فاضل البدراني، كاتب وصحافي عراقي

Posted in Latest News |

Leave a Comment

Please note: Comment moderation is enabled and may delay your comment. There is no need to resubmit your comment.