القصة القصيرة في بنغازي… بدايات وملامح
September 6th, 2008
لندن – الحياة، حياة كل إنسان، في مجملها قصة طويلة وكبيرة، وهي تستحق أن تعاش.. أن يُكتب عنها.. ويُروى عن شجونها وشؤونها وتفاصيلها بكل صدق وأمانة. الحياة، حياة كل إنسان، فوق أرض الله تجربة مهمة وقصة في حد ذاتها، وكتّاب القصة، في هذا الوطن والعالم كله، على وجه العموم، هم أعين مفتوحة على الحياة الإنسانية.. وشهوداً عليها.. بقصصهم.. وحكاياتهم.. ورواياتهم، وفنهم الجميل. الحياة، قصة، ومع ميلاد الإنسان، مع شهقته.. وصرخته الأولى، يبدأ القص والسرد، وقد تولى هذا الجانب أولاً وتعهده تماماً - الأدب الشعبي -، برزت القصة والحكاية الشعبية.. والخرافة.. وأطلت برأسها العوالم العجائبية من غزل الحكايات التي يتماهى معها الطفل منذ صغره ويحيا جوانبها إلى أن يشب عن طوقه بكل شوق.. وربما بخوف. وأولى نصوص القصة لدينا، هي القصة الشعبية المنطلقة من أفواه العجائز اللواتي كن ينسجن هذه الحكايا في الليالي، وعبر ضوء السراج الواهن، لقد كانت البيئة الليبية، في بنغازي على سبيل المثال، بيئة حكايا وقصص ومسامرات، في زمن ندرت فيه وسائل التسلية، والاتصالات، والفضائيات…. وما إليها. كان أسلوب السرد والقص جميلاً وحلواً، ونشأت تلك القصص تحت أسقف البيوت وفي أركانها، وفي الريف البعيد، وفي النواجع القصية، كل حجر من أرجاء الوطن تحته قصة وحكاية، من مثل قصص ‘إحميده بن السلطان، وشي بن شي، وأم بسيسي، وخود وحسن العادلي، وطريق العجب، والنص أنصيص’، وقصص الهلالية وسيرتها وشخوصها الأبطال. ثم مع الشعر الشعبي، وهو من أنواع الثقافة الأصيلة للشعب، ولدت من ترانيم الشعراء، القصص والملاحم الشعرية أيضاً، مثلاً.. رحلة الشاعر علي بوفلاقة التي تماثل ‘رسالة الغفران’ للمعري و’الكوميديا الآلهية’ لدانتي، وفيها وصف وتخيل للجنة والنار في تلك الملحمة الطويلة، ثم السن، والبير لهاشم الخطابية، وتجارب أخرى للعديد من الشعراء الآخرين. إضافة إلى ذلك، فإن من الألغاز الشعبية، تنهض أكثر من قصة، وكذا الألعاب.. وكذا الأمثال.. وهكذا تشكّل في مجموعها قصصاً وروايات مثّلت بدايات وإرهاصات القصة لدينا.. بعفويتها.. وفطريتها.. وأصالتها، وعلامات تكوينها المبكر وتأسيس مرحلة من مراحل الاندهاش والتواصل في هذا العالم. والكل عرف هذا.. شارك.. وسمع… وضمته حلقات القص، فيما شهدت المجالس والمرابيع والمقاهي رواة وحكائين يروون القصص والأساطير عن عنترة والصفيرة عزيزة.. وما إلى ذلك. من هنا بدأت القصة.. وبهذا الشكل البسيط، ولكنه الضارب في الجذور والأعماق. يقول القاص المرحوم يوسف الدلنسي في مقالته الشهيرة ‘أدب القصة في ليبيا’ نشرها في صحيفة فزان، ‘من طبيعة الشعب الليبي أنه شعب قاص إذا صح التعبير أي أنه ورث تراثاً قصصياً كان يتلهّى به ويتسامر بما يرويه من قصص هي أقرب إلى الأساطير منها إلى الحياة الواقعية التي يعيشها الناس في هذا الجزء من أرض العرب’. والقصة القصيرة بسماتها المعروفة فيما بعد أنطلقت في ظروف تكاد تشابه الظروف نفسها للقصة في البلاد العربية، ولم تأخذ تشكلها الفني إلاّ في فترات تباينت فيها تجارب القصاصين ونالت تطوراً على مدى فترة من الزمن. والواقع يؤكد أن بدايات القصة القصيرة في ليبيا انطلقت في بنغازي، عندما نشر وهبي البوري أولى قصصه وهي ‘ليلة الزفاف’ في عدد شهر أكتوبر سنة 1936، من مجلة ليبيا المصورة، وقد اعتبرها النقاد والدارسون: ‘ أول قصة ليبية تتوفر لها شروط القصة الفنية في الأدب القصصي الليبي الحديث’. عندما بدأت القصة العربية تسير وتتلمس طريقها، كانت لدينا تحبو وربما ببعض محاولاتها وتجاربها المتواضعة سبقت آخرين فمثلاً قصة الدكتور البوري المشار إليها سبقت كتابة نجيب محفوظ لأقاصيصه التي نشرها في مجموعة ‘همس الجنون’ سنة 1938 ثم أردفها بمجموعة قصص تستدعي تاريخ مصر القديم هي: عبث الأقدار 1939، وادوبيس 1943، كفاح طيبة 1944، إلى أن أخذت قصصه ورواياته المعروفة لاحقاً مسارات مغايرة تختلف فيه عن أخواتها بدءاً من القاهرة الجديدة سنة 1945. تلك هي أولى مراحل بدايات القصة القصيرة في بنغازي ومن بعُد في ليبيا، حيث واصل البوري نشر تسع قصص في الأعداد التالية وعلى مدى سنوات من مجلة ليبيا المصورة، واحتفظ بمجموعة نشرها في مرحلة قريبة، منها ‘رابحة’ و’البئر المهجور’، و’عزيزة’، ولا ننسى هنا وفي سياق هذه المرحلة – البداية، قصيدة الشاعر أحمد رفيق عن ‘غيث الصغير’ – وهو شخصية حقيقية استعمل الشاعر اسماً مستعاراً له – سنة 1934، ويلاحظ القارئ فيها شكل القصة الشعرية، أو ‘المسرحية’ محاكاة لشوقي في بعض ما نظمه، وكذا قصته ‘القطوس’ سنة 1938. وتأتي المرحلة الثانية، وتبدأ في سنة 1951، وإلى سنة 1953، مع صدور مجلة ‘ليبيا’ التي نشرت بعض القصص – هي أقرب للصور الذاتية أو الخواطر – للشريف الماقني، ومحمود السعداوية، ومحمود دهيميش، وجبريل الحاسي، وعبد القادر بوهروس من طرابلس، وهي مرحلة (وسطية) أن صح القول، فقد سبقتها فترة اختفاء للقصة أو عدم إهتمام بكتابتها نتيجة لظروف الحرب العالمية الثانية، وجلاء الناس عن المدينة، وتوقف صدور ليبيا المصورة ووفاة صاحبها مطلع سنة 1942، ثم عوامل المخاض السياسي والاجتماعي الذي ساد الوطن بأجمعه وجعل من الناس – القراء – ينصرفون إلى الاهتمام بالشعر والمقالة خاصة السياسي منها. ومع سنة 1953 – حيث توقفت تلك المجلة عن الصدور – بدأت فترة ثالثة في تاريخ مراحل القصة القصيرة في البلاد، ونهض جيل ولد في بنغازي مع بداية حقبة سنوات الثلاثينات التي شهدت بدايات القصة وبذرتها الأولى، نهض بأعباء هذه المرحلة، فشرع أحمد العنيزي، ويوسف الدلنسي، وطالب الرويعي، ومفتاح السيد الشريف، وأحمد البيرة، وفتحي المجريسي – الذي تعثرت خطواته ولم يستمر – في نشر نتاجهم القصصي في صحف طرابلس الغرب، والزمان، وبرقة الجديدة، ومجلة ‘هنا طرابلس الغرب’، ثم في ‘العمل’، ومجلة ‘الضياء’… وغيرها، واقتربوا من الواقع بتلك القصص وصوّروا ظروف الحاجة والفقر وسنوات ما بعد الحرب ومواجهة قوى الشر الظالمة للإنسان، وحلموا بعالم نظيف، وتطلعوا إلى امرأة جديدة تشارك في بناء ذلك الواقع وتسهم فيه رغم العادات وأسر التقاليد الصعبة، كما تعاطفوا في قصصهم أيضاً مع كفاح الشعوب في الجزائر وفلسطين، وغيرها من شعوب أفريقيا وآسيا، وربما في هذه القصص طغت المحلية والعامّية في بعض ملامحها. لكنها تظل علامة من علامات القصة القصيرة المعاصرة في ليبيا، والتي لابد أن يذكرها الباحثون والدارسون، مع ملاحظة عدم إسقاط أو استعمال المقاييس النقدية الحالية على نتاج تلك الفترة التاريخية المهمة للقصة في بلادنا. وقد تميزت هذه المرحلة بتأثر هؤلاء النفر من القصاصين وغيرهم بكتابات محمود تيمور ومحمود صدقي ويوسف السباعي، ومحمد عبد الحليم عبد الله، ثم بكلاسيكيات الأدب العالمي (تولستوي – تشيكوف- ديستو فسكي – جوركي – همنغواي) التي تركت بعض من طابعها في نتاجهم، وذلك ليس عيباً في كل الأحوال، وقد حدث ذلك أيضاً في بداية التجربة الشعرية الليبية المعاصرة التي حاكت تجارب البياتي والسياب ونزار قباني وغيرهم، إن ذلك شئ طبيعي ومفروغ منه، وقد اتضحت ملامح هذه التجارب القصصية والشعرية كثيراً في مراحل متعاقبة عن الأولى. في يوليه 1955، أصدرت مجلة صوت المربي في طرابلس عدداً خاصاً عن القصة تضمن مشاركة واحدة من بنغازي لجبريل الحاسي، وفي ذلك العدد كتب كامل المقهور بأن ‘القصة الليبية ابنة غير شرعية للمجتمع الذي نعيش. إنها مجموعة من الخيالات، والتقليد، والإقتباس..’، كما أهتمت الإذاعة الليبية منذ تأسيسها سنة 1957 بركن القصة في برامجها وأتاحت الفرصة للكثيرين في إذاعة نتاجهم على الهواء. في بداية الستينيات من القرن العشرين (1961) وما تبعها من سنوات، أطلت مرحلة أخرى وهي الرابعة، من مسيرة القصة القصيرة، وشهدت أهتماماً بها، وتنظيم مسابقات فيها، ونشرت أعمال قصصية اختلفت مضامينها وتجاربها وهمومها في ملامسة الواقع والتعبير عنه سياسياً، واجتماعياً، وهي فترة تفجر فيها النفط ونزح الناس من القرى والأرياف إلى المدن ومعسكرات (البترول)، وانعكست بالتالي على مجمل الإبداعات الأدبية، إضافة إلى إنتشار الثقافة والتعليم وإيفاد البعثات الدراسية للخارج، ومن ذلك قصص رشاد الهوني، وعبد السلام شلوف، والصالحين نتفه، ومحمد عبد السلام الشلماني، وفرج الشريف، وفتحية مازق، ورمضان بوخيط، ورجب الشلطامي، وأبوبكر الهوني، وأنيس السنفاز، وسعد نافو، وسعد الحداد، وحميدة البراني، وبن عيسى الجروشي، ومحمد على الشويهدي، والشعراء : عبد ربه الغناي، وإبراهيم الهوني، وحسن صالح، ثم سالم قنيبر، والصادق النيهوم، وخليفة الفاخري، (هذه الأسماء على سبيل المثال)، ومحمد جعودة الذي سجل أحداث مقتل والده وأعمامه على يد الطليان في مذبحة أسرة آل جعودة سنة 1941، في قصة طويلة رائعة لم تنشر إلى الآن. وهذه المرحلة في بنغازي، إضافة إلى إنطلاقة قصاصين آخرين في طرابلس: عبد الله القويري ويوسف القويري، ويوسف الشريف، وأحمد إبراهيم الفقيه، وخليفة التكبالي، وغيرهم، شكلت مرحلة خصبة لتنامي فن القصة وتأسيسه في ليبيا، وتطور أدواته الفنية والتقنيه، وهي التي أفضت إلى مرحلة جيل آخر، بدأه في نهاية الستينيات القاص عبد الله الخوجه بمجموعته ‘فتاة على رصيف مبلل’، التي تعتبر لوناً مميزاً للقصة الحديثة الليبية في عباراتها وظاهرتها المتفردة آنئذ. وتمازجت هذه الأجيال وتواصلت ببروز مجموعات أخرى أكتست تجاربهم بملامح من الرصانة وفن السرد والقدرة على التطور، وقد واكب أغلب هذه المراحل دراسات نقدية لهذا النتاج الغزير، لنقاد ودارسين عرب من ذلك ما نشره د. طه الحاجري، د. عبد القادر القط، وأحمد محمد عطيه، وغيرهما، إضافة إلى الدراسات من النقاد الليبيين مثل حسين مخلوف، وسالم قنيبر، وسليمان كشلاف، ونجم الدين الكيب، وغيرهم. والحديث عن تاريخ القصة يدعونا إلى حث ‘الوريث الثقافي’- إن وجد! - على الاهتمام بنشر ما ورثه من نتاج قصصي وأدبي حرصاً عليه من الضياع والفقد، وليكون بأيدي الدارسين والباحثين، إضافة إلى دعوة هؤلاء القصاصين من الأحياء لطبع ونشر إبداعاتهم المختلفة التي كتبوها بإخلاص منقطع النظير. (اخبار ليبيا) |
Posted in Latest News |











